لبنان
سياسة

السودان: شعار "الحفاظ على مؤسسات الدولة" يغطي اختطافها من قبل الإخوان المسلمين

النهار٢١ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٠:٠٠ م0 مشاهدة
السودان: شعار "الحفاظ على مؤسسات الدولة" يغطي اختطافها من قبل الإخوان المسلمين

تنويه

هذا الخبر بعنوان "السودان: حين يصبح شعار "الحفاظ على مؤسسات الدولة" غطاءً لاختطافها" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٩ آب ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تُعدّ الدولة المختطفة مشروع انهيار مؤجل؛ وبالتالي، فإن الحفاظ على الدولة السودانية يتطلب تحريرها من خاطفيها بدلاً من تمكينهم، ووقف الحرب هو الخطوة الأولى نحو هذا الهدف. مسلحون في غرب أم درمان في 19 أغسطس 2026. (أ ف ب) خالد عمر يوسف* انتشرت مؤخراً في أدبيات النقاش حول الحرب في السودان عبارة "الحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية"، لتصبح شعاراً يُستخدم في البيانات وتبرير المواقف. ومن الطبيعي أن يُجمع الجميع على وجوب صون المؤسسات الوطنية، خاصة في منطقة شهدت تحطم دول وانهيارات كارثية امتدت لعقود. لكن الشعارات السياسية لا تُفهم بمعناها الظاهري، بل بوظيفتها. وفي السياق السوداني، تكشف قراءة هذه العبارة أنها تؤدي إلى نتيجة عكسية تماماً. هذا المفهوم مستمد من تجربة إقليمية مريرة، حيث تعرضت مؤسسات دول المنطقة لهزات عنيفة بفعل مشاريع توسعية لقوى هدامة، أبرزها إيران التي نشرت ميليشيات هددت استقرار الدول. من بيروت إلى بغداد إلى صنعاء، عرفت المنطقة نموذج "الكيان الموازي" الذي ينمو داخل الدولة ليبتلعها. لذا، فإن القلق على مؤسسات الدولة مشروع. إلا أن إسقاط هذا النموذج على السودان دون تمعن هو أمر مضلل. فالسودان، رغم كونه جزءاً من النطاق الجغرافي الذي تسعى إيران لبسط نفوذها فيه، يمثل حالة مغايرة. فنحن لا نواجه كيانات متطرفة تحاصر الدولة من الخارج، بل نواجه اختطاف الدولة نفسها عبر هذه الكيانات. السودان هو البلد الوحيد الذي حكمه الإخوان المسلمون لثلاثين عاماً، منذ انقلابهم عام 1989 حتى ثورة ديسمبر. خلال تلك العقود، نفذوا مشروع "التمكين"، حيث لم يهتموا ببناء الدولة بل بنوا تنظيماً يرتدي ثيابها. زرع الإخوان شبكاتهم في الجيش والأجهزة الأمنية والخدمة المدنية والقضاء والمصارف، وحولوها لفروع لتنظيمهم، حتى صرح الرئيس المخلوع البشير بأنها "دولة الحركة الإسلامية". علاقتهم بطهران لم تكن عابرة، فقد شهد حكمهم ترسيخاً لهذه العلاقة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً وإيديولوجياً، ووفر إخوان السودان لحلفائهم الإيرانيين منفذاً على البحر الأحمر وموطئ قدم في أفريقيا، استخدمه الحرس الثوري لنشر مشروعه المزعزع للاستقرار. واليوم، تعود طهران للمشهد السوداني عبر البرهان، الذي أعاد العلاقات الدبلوماسية ووطد الصلات، مستقبلاً مسيّراتهم ومستخدماً شبكاتهم لخدمة المشروع السلطوي القديم. أسقطت الثورة رأس النظام عام 2019، لكن شبكات التمكين العميقة ظلت كامنة، فنفذت انقلاب 2021 برفقة قائدي القوتين المتقاتلتين حالياً، ثم أشعلت حرب أبريل 2023 لفتح الطريق أمام استمرار تمسكهم بمفاصل الدولة التي يتحكمون بها، وإعادة نشر كوادرهم، ومصادرة القرار الوطني، ومقايضة دماء السودانيين ببقائهم في السلطة. هذا هو جوهر المسألة؛ فحين تُرفع راية "دعم مؤسسات الدولة" في السودان، فإن ما يجري عملياً هو شرعنة اختطاف هذه المؤسسات بوساطة الإخوان، ومنح الخاطف صك قبول غير مستحق. فالشعار الذي يعني في بعض البلدان مقاومة الشبكات المسلحة الإرهابية خارج الدولة، يُستخدم في السودان لتكريس اختطاف الدولة بوساطة هذه الشبكات. اللفظ واحد، والنتيجة هي النقيض. ومن الأدلة على خطورة هذا الالتباس أن بعض العواصم تتعامل مع هذا الشعار كـ"وصفة للاستقرار"، وهو في الحالة السودانية وصفة لإعادة إنتاج الأزمة. فالبرهان ليس قائد مؤسسة وطنية يعمل على حصر احتكار السلاح داخل مؤسسات الدولة، بل هو جزء من مشروع تنظيم إرهابي يقود تحالفاً لجماعات مسلحة تختطف الدولة، مما يؤدي إلى تحللها لا الحفاظ على مؤسساتها. إن المدخل الصحيح للحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية يبدأ بوقف هذه الحرب الإجرامية، وتفكيك شبكات التمكين الإخوانية، عبر مشروع سلام شامل يربط الانتقال المدني الديمقراطي بالإصلاح المؤسسي، بما يقود لجيش وطني واحد مهني وقومي، وخاضع للسلطة المدنية؛ وبناء خدمة مدنية تقوم على الكفاءة، وقضاء مستقل، ومؤسسات تكون ملكاً لكل أهل السودان. هذا هو جوهر المشروع الذي أراده السودانيون. المنطقة بأسرها أنهكتها هذه التجارب المريرة، لذا فإن من يخشى على الدول من الانهيار، عليه أن يخشى عليها بالقدر نفسه من الاختطاف؛ فالدولة المختطفة هي مشروع انهيار مؤجل. وعليه، فإن الحفاظ على الدولة السودانية يبدأ بتحريرها من خاطفيها لا بتمكينهم منها، ووقف الحرب هو أول خطوات هذا الطريق. *وزير سابق لشؤون مجلس الوزراء في الحكومة السودانية المدنية الانتقالية - المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية

شارك الخبر: