اتفاق "4+4" الليبي: هل ينهي الجمود الانتخابي أم يعيد الأزمة؟


هذا الخبر بعنوان "ليبيا تكسر جمود الانتخابات باتفاق "4+4"... هل يصمد أمام عقدة التنفيذ؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣١ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
خطت ليبيا خطوة جديدة نحو تجاوز الخلافات السياسية وكسر الانسداد، تمهيداً لتنفيذ الاستحقاقات السياسية المعطلة منذ خمس سنوات. شهد مقر بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بطرابلس، الأحد، توقيع اتفاق سياسي بين ممثلين عن قيادة الجيش الوطني في شرق ليبيا وحكومة الوحدة الوطنية في غرب البلاد، ضمن ما عُرف بلجنة "4+4".
يمثل الاتفاق اختراقاً للخلافات بشأن القوانين المنظمة للانتخابات الرئاسية والتشريعية، ويفتح الباب أمام مرحلة انتقالية جديدة لا تتجاوز عامين، تقودها سلطة تنفيذية موحدة. جاء الاتفاق بعد سنوات من عجز مجلسي النواب والأعلى للدولة عن التوافق بشأن القوانين الانتخابية وتشكيل مجلس إدارة جديد للمفوضية العليا للانتخابات، ما دفع البعثة الأممية إلى اعتماد مسار "الاجتماع المصغر" كقناة بديلة لتجاوز الجمود السياسي.
ماذا يغيّر اتفاق "4+4"؟
من أبرز بنود الاتفاق معالجة شروط الترشح للانتخابات الرئاسية، بما يسمح للعسكريين ومزدوجي الجنسية بالترشح، وهي من أكثر الملفات التي عطلت تمرير القوانين الانتخابية لسنوات. كما يفك الارتباط بين الانتخابات الرئاسية والتشريعية، بحيث لا يؤدي تعذر إجراء إحداهما إلى تعطيل الأخرى، ويمنح البرلمان المنتخب صلاحيات تشمل مناقشة الدستور الجديد وتمريره. وحدد الاتفاق سقفاً زمنياً لا يتجاوز 24 شهراً لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في ظل سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات موحدة.
لكنه أبقى، في حال تعذر ذلك، الباب مفتوحاً أمام الأطراف، بالتعاون مع البعثة الأممية، للبحث عن آلية تضمن الوصول إلى الاستحقاق الانتخابي. ولا يقتصر الاتفاق على القوانين الانتخابية، بل يرتبط بمسار أوسع لإعادة تشكيل السلطة التنفيذية وتوحيد مؤسسات الدولة، بالتوازي مع تحركات لدفع صيغة سياسية جديدة تتضمن تولي صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي، مع استمرار عبدالحميد الدبيبة في رئاسة حكومة موحدة، وإعادة توزيع المناصب السياسية والأمنية والحقائب الوزارية بما يضمن تمثيل القوى المؤثرة.
لتجاوز احتمال تعطيل الاتفاق من المؤسسات القائمة، نصت الوثيقة على آلية لاعتماده محلياً عبر "آلية وطنية واسعة التمثيل"، ودولياً عبر مجلس الأمن، بما يضمن التزام الأطراف بأحكامه، إذا لم يوافق مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة عليه خلال شهر من توقيعه. ويعكس ذلك إدراكاً بأن التوافق بين القوى السياسية لا يضمن بالضرورة موافقة المؤسسات التشريعية، وهي العقبة التي عطلت مبادرات سابقة.
رغم مقاطعة رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة مراسم التوقيع، حضر نائب رئيس المجلس الرئاسي موسى الكوني، إلى جانب أعضاء من مجلسي النواب والدولة وممثلين دوليين، في رسالة أرادت البعثة من خلالها تأكيد اتساع دائرة المشاركة والغطاء الدولي للاتفاق. وصفت الموفدة الأممية هانا تيتيه التوقيع بأنه خطوة مهمة لتجاوز المأزق السياسي والمؤسسي الذي عطل الانتخابات، مؤكدة أن التحدي ينتقل الآن إلى التنفيذ.
رحب الدبيبة وصدام حفتر بالاتفاق، باعتباره خطوة نحو إزالة العقبات أمام الانتخابات وإنهاء المرحلة الانتقالية. وأكد الأول أن المخرج يكمن في تمكين الليبيين من اختيار ممثليهم وإنهاء الانقسام، فيما شدد حفتر الابن على أنه "لم يعد هناك مبرر لمزيد من التأخير، ولا مكان للمعرقلين".
أول اختبار للاتفاق
لكن التوافق اصطدم سريعاً بأول اختبار عملي، مع قرار المنفي إعادة تسمية عماد السايح رئيساً لمفوضية الانتخابات، خلافاً لاتفاق "4+4" الذي أوصى بتسمية ضو الهمالي، ما يعكس تحديات الانتقال من التوافق السياسي إلى التنفيذ.
يرجع الأكاديمي الليبي المتخصص في العلوم السياسية الدكتور يوسف الفارسي، اللجوء إلى صيغة "4+4" إلى فشل مجلسي النواب والأعلى للدولة في التوصل إلى توافق، رغم منحهما سنوات عدة لتحقيق ذلك، مرجحاً نجاح الاتفاق هذه المرة في ظل دعمه من قيادة الجيش الوطني ورئيس حكومة الوحدة الوطنية، وهما من أكثر الأطراف تأثيراً على الأرض، فضلاً عن الدعم الدولي.
في المقابل، يشكك الناطق باسم حزب "صوت الشعب" عبدالسلام القريتلي في فرص نجاح الاتفاق، واصفاً إياه بأنه "معيب ولا يلبي تطلعات ليبيا وشعبها"، ومرجحاً أن يؤدي إلى "تدوير الأزمة السياسية بالوجوه نفسها". ويوضح القريتلي أن الاتفاق لم يتناول بوضوح آلية تشكيل الحكومة الجديدة أو ملف الدستور وهوية الدولة، كما قلّص، برأيه، فرص الأحزاب السياسية في الانتخابات التشريعية باعتماد نظام الانتخاب الفردي، رافضاً في الوقت نفسه السماح لمزدوجي الجنسية بالترشح.
يرفض رئيس حزب القمة عبدالله ناكر، مخرجات لجنة "4+4" وأي ترتيبات تقوم على تقاسم السلطة بين الأطراف المسيطرة على المشهد السياسي والعسكري، معتبراً أن مستقبل ليبيا "لا يقرر في غرف التفاوض، بل عبر إرادة الشعب". ويرى أن الاتفاقات غير المستندة إلى تفويض شعبي تعيد إنتاج الانقسام وتدوير مراكز النفوذ، متمسكاً بضرورة إنهاء المراحل الانتقالية وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية حرة ونزيهة. كذلك يرفض ناكر تولي العسكريين مناصب سياسية أو تنفيذية، ويتمسك بالفصل بين المؤسسة العسكرية والسلطة المدنية، ويعارض تولي مزدوجي الجنسية المناصب العامة.
يبقى اتفاق "4+4" مرهوناً بقدرته على الانتقال من تفاهم بين القوى المؤثرة إلى التزام مؤسسي قابل للتنفيذ. فإذا صمد أمام اختبار السلطة التنفيذية والمفوضية والقوانين الانتخابية، قد يفتح نافذة لإنهاء الانقسام والذهاب إلى الانتخابات، أما عودة الخلافات إلى هذه الملفات فقد تحوله إلى حلقة جديدة في سلسلة تسويات تنتهي عند عتبة التنفيذ.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة