لبنان
سياسة

من

النهار٢٠ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١١:٣٤ م0 مشاهدة
من

تنويه

هذا الخبر بعنوان ""فقه الانتظار"… قراءة في علاقة الفقه الشيعي بالسلطة" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ أيلول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

يتناول كتاب "فقه الانتظار" للباحث محمد السيد الصياد، الصادر عن مركز رصانة – الرياض، رحلة تحول الفكر السياسي الشيعي من الابتعاد عن السلطة إلى نظرية "ولاية الفقيه". يتتبع الكتاب هذا التحول من منظور تاريخي وفقهي، مبتعداً عن الجدل العقائدي.

يطرح المؤلف سؤالاً محورياً: كيف انتقل جزء من الفكر الشيعي من موقف تقليدي يرفض المشاركة في السلطة أو يحرمها، إلى نظرية "ولاية الفقيه" التي تضع الفقيه في مركز القرار السياسي؟ يجيب الكتاب عبر استعراض مسار تاريخي طويل لفكرة السلطة في الفكر الشيعي.

بعد غيبة الإمام الثاني عشر، نشأ مفهوم "فقه الانتظار"، القائم على انتظار عودة الإمام صاحب الشرعية الكاملة. هذا التصور دفع معظم الفقهاء الشيعة عبر قرون إلى تجنب المسؤولية السياسية المباشرة، والاكتفاء بالإرشاد الديني والقضاء وإدارة بعض الشؤون المجتمعية. لم يكن هذا الموقف مجرد انعزال، بل استند إلى مبررات فقهية وسياسية، مثل الخوف من الفشل السياسي، وإدراك صعوبة إرضاء جميع المواطنين، وتجنب النقد الشعبي الذي قد يؤثر على مكانة المؤسسة الدينية.

يشير الكتاب إلى أن هذا الموقف لم يكن مطلقاً، فقد شهد التاريخ الشيعي مشاركات محدودة لبعض الفقهاء في إدارة الدولة أو تقديم المشورة للحكام، خاصة في العهد الصفوي والقاجاري. ومع ذلك، يرى المؤلف أن نظرية ولاية الفقيه تمثل تطوراً نكوصياً أكثر من كونها امتداداً طبيعياً للإرث الفقهي التقليدي.

يُبرز الكتاب أن الأئمة أنفسهم، بحسب قراءة المؤلف، لم يسعوا للسلطة كهدف بحد ذاته، بل كانت أولويتهم الحفاظ على الرسالة الدينية والأخلاقية. ويرى أن إدارة الدولة تتطلب قرارات قد تبتعد عن المثال الأخلاقي الكامل، وأن تحقيق العدل المطلق في السياسة أمر صعب للغاية، مما دفع العديد من الأئمة إلى الابتعاد عن صراع السلطة.

ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى التجربة الإيرانية المعاصرة، باعتبارها التطبيق الأبرز لنظرية ولاية الفقيه منذ الثورة الإسلامية عام 1979. يقدم المؤلف رؤية نقدية ترى أن انتقال المؤسسة الدينية من موقع الرقابة الأخلاقية إلى موقع السلطة التنفيذية والسياسية قد غيّر طبيعة علاقتها بالمجتمع. فعندما تصبح مسؤولة عن الاقتصاد والإدارة والأمن والسياسة الخارجية، فإنها تصبح عرضة للمحاسبة الشعبية، مما قد يدفع البعض إلى المعارضة.

يخلص المؤلف إلى أن نصف قرن من تطبيق ولاية الفقيه أفرز تحديات اجتماعية وسياسية معقدة في إيران، منها شعور قطاعات بالتهميش، وضعف المساءلة السياسية، وعدم تكافؤ الفرص، بل وصولاً إلى مرحلة "التوريث" التي نبذتها ولاية الفقيه نفسها. ويربط بعض المعارضين هذه الأوضاع بارتفاع معدلات الابتعاد عن التدين وضعف الثقة بالمؤسسة الدينية.

في المقابل، توجد قراءات أخرى ترى أن أسباب هذه الظواهر متعددة، وتشمل العقوبات الاقتصادية، والتحولات الديموغرافية، وتأثير العولمة، والتغيرات الثقافية. يناقش الكتاب أيضاً تشكل النخب المستفيدة من استمرار النظام، حيث يرى أن النظام أفرز حلقات من القرابة والمصالح التي تدفعها للدفاع عنه.

تكمن قيمة كتاب "فقه الانتظار" في تفسيره للتحول الفكري الذي نقل جزءاً من المؤسسة الدينية الشيعية من موقع الانتظار إلى موقع الحكم، وإثارته لأسئلة حول مستقبل العلاقة بين الدين والدولة، والعدالة، وحدود السلطة الدينية، والجمع بين القداسة الدينية ومتطلبات الإدارة اليومية.

يظل الكتاب قراءة تحليلية تعكس اجتهاد مؤلفه، خاصة وأن الفكر الشيعي يضم مدارس متعددة تتباين مواقفها من ولاية الفقيه. يقدم محمد السيد الصياد كتاباً يفتح باباً واسعاً لفهم أحد أكثر التحولات تأثيراً في الفكر السياسي الشيعي الحديث، ويطرح أسئلة تتجاوز الحالة الإيرانية إلى قضية العلاقة المعقدة بين الشرعية الدينية ومقتضيات الحكم الحديث.

شارك الخبر: