السلاح في لبنان: سردية نفسية تتجاوز الواقع وتخلق أزمة وجودية


هذا الخبر بعنوان "سردية السلاح في وظيفتها السيكولوجية" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتعرض سردية السلاح لانتكاسة بنيوية حين تفضح الأحداث عجزه عن الحماية والأمان، مما يولد أزمة وجودية. في المجال اللبناني، يحمل السلاح دلالات سياسية واجتماعية ونفسية عميقة. فهو قادر على فرض معادلات سياسية، ويُعد مصدر أمان وحصانة ماديين، كما يمثل وظيفة سيكولوجية تتجاوز كونه أداة، ليصبح حاوية لإسقاط مشاعر العجز والخوف والرغبة في السيطرة. ينتقل السلاح من بناء واقع خارجي إلى تشكيل بنية الفرد النفسية وإدراكه لذاته وللعالم.
عندما يُسند السلاح وظيفة القوة والحماية والهوية والانتماء، يصبح الفرد عاجزاً عن تصور حياته بدونه. فالحرمان منه يمثل تهديداً لهويته النفسية وتوازنه، ويُنظر إلى الدعوة لانتزاعه كتهديد لقيمته الإنسانية ومعنى وجوده. هناك تأثير متبادل بين تفاعلات الخارج والداخل النفسي، مما يدفع الفرد للتكيف المستمر مع بيئته وتعديل بنيته السيكولوجية لفهم الواقع المتغير والتعامل معه بفاعلية.
في بيئة مشبعة بالسلاح، يحدث تماهٍ سيكولوجي مع سرديته التي تربط بين ضرورة الأمان وحتمية السلاح. يستدخل الباطن السيكولوجي هذه المعادلة لتصبح جزءاً من الهوية، فيصبح السلاح شرطاً نفسياً للشعور بالأمان. ينقلب الأمر ليصبح الخوف النفسي حاجة لاستمرار السلاح، وليس العكس. تتحول وظيفة السلاح إلى الحفاظ على الحاجة النفسية، وبقاء السلاح يصبح حاجة سيكولوجية بغض النظر عن كفاءته الواقعية في توفير الأمان.
يصبح بقاء السلاح استجابة لبناء نفسي متصلب ومنفصم عن الواقع، حيث يسعى العقل لتبرير استمرارية السردية حتى لو لم يسندها الواقع. يتجلى هنا الإيحاء الذاتي الإيديولوجي، حيث تُولد مسوغات وتفسيرات للسلاح لا تستمد من الواقع بل من مصدر مثالي يمنحه الشرعية. وعندما تفضح الأحداث عدم جدوى السلاح، ينشأ صراع بين الواقع الخارجي المتغير والبنية النفسية التي استدخلت السلاح كمصدر للأمان.
مع ازدياد الهوة بين ضغوط الخارج ومقاومة النفس، يجد الفرد نفسه أمام خيارين: إعادة النظر بقناعته أو الدفاع عنها. لكن مراجعة المعتقد الراسخ بقيمة السلاح شبه مستحيلة عندما يُسبغ عليه دلالة وجودية وهوياتية، فيصبح التخلي عنه خيانة للذات. يتجلى الإنكار كدفاع عن جهاز نفسي مهدد، ويصبح الدفاع المستميت عن قدسية السلاح انتصاراً، ولا ينتقص انهيار قدرته على الحماية من قيمته السامية. تحافظ سردية السلاح على نفسها حتى مع خسارة شروط قوتها الموضوعية.
في الحياة السياسية، يمكن وصف هذا الانفصال الإيديولوجي عن الواقع بالذهان. عندما تصبح المشكلة بنية جمعية لإعادة تفسير الواقع، يتعلق الفرد بالتفسير الجمعي للسلاح والصورة الذهنية المزروعة في وعيه، مما يسبب التباساً في إدراكه للواقع. استمرار سردية السلاح يتطلب تجذير حقيقتها الأخلاقية وإسباغ معانٍ سامية عليها لمقاومة النقد والشك. عندما يُتبنى السلاح كجزء من الحق، يصبح التخلي عنه انحطاطاً أخلاقياً. وعندما يُناط بالدين أو الشرف أو الكرامة، يصبح انتقاده ردة دينية وخيانة عظمى.
عندما يتناقض الواقع مع القيمة السامية للسلاح، يواجه الفرد خياراً بين الإقرار بالواقع أو التمسك بالقيمة المطلقة للسلاح. يمكن فهم أنماط سلوك التضحية المتطرف بأنها سعي للاحتفاظ بالأمان الداخلي الوهمي، حيث يُصور الموت فداء للسلاح كشكل من أشكال الانتصار. يستعير الفرد عبارات دينية لتعزيز الصمود النفسي أمام ضغط الواقع، مما يؤدي إلى الانفصال عنه وفقدان الحياة قيمتها لصالح المعنى السامي المسقط على السلاح. تستعير الإيديولوجيا رمزية الخيار الكربلائي كنموذج للثبات على الحق عبر التضحية.
تعيد الإيديولوجيا تنظيم الواقع داخل منظومة تأويلية مغلقة، تقسم العالم إلى خير وشر، حق وباطل، نحن وهم. عندما يصبح
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة