جنوب لبنان: حرب على مقومات الحياة تتجاوز الدمار لتطال الأرض والماء


هذا الخبر بعنوان "جنوب لبنان بين الماء والأرض: حرب على مقومات الحياة" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في جنوب لبنان، لا تقتصر الحرب على تدمير المنازل فحسب، بل تمتد لتطال الأرض التي يزرعها أهلها، والماء الذي يشربونه ويروون به حقولهم، والمنشآت التي أُنشئت لضمان استمرار الحياة. عندما تُمسّ هذه العناصر الحيوية مجتمعة، يصبح السؤال الأهم ليس عن عدد البيوت التي يمكن إعادة بنائها، بل عن مدى بقاء مقومات الحياة التي تسمح للسكان بالعيش في أرضهم.
تُظهر دراسة حديثة أن المنطقة المتأثرة بالحرب، والتي تشمل المنطقة المحتلة والمناطق المحاذية لها، تمتد حتى 18 آب 2026. قبل حرب الإسناد، كان يقطن هذه المنطقة حوالي 190,860 نسمة في 75 بلدة، منهم 156,160 مقيماً دائماً في 63 قرية داخل المنطقة المحتلة، و34,700 شخص في 12 قرية محاذية. تبلغ مساحة هذه المنطقة 524.02 كم2، أي ما يعادل 5% من مساحة لبنان، وتشكل حالياً 39.2% من مساحة محافظة النبطية و11.7% من محافظة الجنوب، وتتركز أبرز هذه النسب في قضائي بنت جبيل (69.7%) ومرجعيون (66.8%).
وفقاً لبيانات استخدامات الأراضي لعام 2017، كانت 38% من هذه المساحة أراضي زراعية (نحو 199 كم2)، وشكلت الزراعة الحقلية المروية 25.6% منها. كما امتدت بساتين الزيتون على 3,873 هكتاراً، أي 7.4% من المنطقة، بإنتاج سنوي يتجاوز 23 مليون دولار. هذه الأرقام لا تعكس فقط مساحة الأرض، بل مجتمعاً كاملاً يعتمد على الحقل والزيتون والمياه والمواسم.
بالاستناد إلى بيانات البلديات، والتواصل مع بعض أعضائها والنازحين، وصور الأقمار الاصطناعية، وتقديرات نسب الدمار، قُدّر تدمير 66,956 وحدة سكنية كلياً داخل المنطقة المحتلة و250 وحدة في القرى المحاذية. كما دُمّرت كلياً 12,239 وحدة تجارية وصناعية داخل المنطقة المحتلة و325 في محيطها، ليصل مجموع الوحدات المدمرة كلياً داخل المنطقة المحتلة وحدها إلى 79,195 وحدة. وتتزايد هذه الأرقام بسبب الاعتداءات الإسرائيلية اليومية المستمرة.
لكن الخسارة لا تقتصر على المنازل. كانت الأراضي المروية تحتاج قبل الحرب إلى حوالي 71 مليون متر مكعب سنوياً من مياه الري، فيما قُدّرت حاجة السكان المقيمين لمياه الشرب بحوالي 10 ملايين متر مكعب سنوياً (بمعدل 140 لتراً للفرد يومياً). هنا يصبح الماء عنصراً محورياً في قصة الأرض.
تكشف قياسات مكانية باستخدام نظم المعلومات الجغرافية أن السيطرة العسكرية الإسرائيلية امتدت لنحو 17 كيلومتراً من مجرى نهر الليطاني أسفل قلعة الشقيف. هذه المسافة ذات أهمية خاصة لأنها تشمل محيط محطة الطيبة، وهي عقدة رئيسية في مشروع القناة 800. صُمم هذا المشروع لنقل حوالي 110 ملايين متر مكعب سنوياً من مياه بحيرة القرعون، منها 90 مليوناً للري و20 مليوناً لمياه الشرب، بهدف ري نحو 15 ألف هكتار ضمن 12 قطاعاً. كان يفترض أن يحول هذا المشروع مياه الليطاني إلى زراعة ودخل واستقرار، لكن محطة الطيبة ومحطة الكهرباء التي تغذيها دُمّرت في عام 2024. ومع وجود أجزاء أساسية من منظومة القناة 800 ضمن نطاق السيطرة العسكرية، تصبح المسألة أكبر من مجرد إعادة بناء محطة، بل تتعلق بإمكانية استئناف مشروع تنموي كامل استنزف سنوات من العمل والمال. فإذا تعذر الوصول إلى منشآت نقل المياه، يصبح الماء في النهر عاجزاً عن الوصول إلى الأرض التي صُمم المشروع لريّها.
على صعيد آخر، كشفت قياسات مكانية أن السيطرة العسكرية الإسرائيلية الحديثة امتدت لنحو 12 كيلومتراً من مجرى الحاصباني–الوزاني. يجب التمييز هنا بوضوح: الليطاني والحاصباني–الوزاني حوضان منفصلان جيولوجياً وهيدرولوجياً. الحاصباني–الوزاني جزء من حوض نهر الأردن، ومياهه تدخل في منظومة مائية عابرة للحدود. تقدر التدفقات السطحية للنهر بحوالي 155 مليون متر مكعب سنوياً، دون احتساب المياه الجوفية. قبل الانسحاب الإسرائيلي عام 2000، كانت المنطقة تحت الاحتلال، والسيطرة على الأرض كانت تعني السيطرة على منشآت المياه. بعد الانسحاب، أنشأ لبنان محطة الوزاني بطاقة تصميمية تبلغ حوالي 12 ألف متر مكعب يومياً (قرابة 4.4 ملايين متر مكعب سنوياً عند التشغيل المستمر). لكن تشغيلها تأثر بالأعطال وكلفة الطاقة وانقطاع الكهرباء. في المقابل، وثقت تقارير دولية وجود منشآت ضخ إسرائيلية في منطقة الغجر ومحيط منابع الوزاني. القضية هنا ليست المطالبة باتفاقات ودراسات، بل بتطبيق القوانين الدولية وإعطاء لبنان حقوقه المائية. المفارقة مستمرة: موارد مائية تنبع من الأراضي اللبنانية، بينما تظل قدرة لبنان على الانتفاع منها محدودة. التوسع في السيطرة العسكرية الإسرائيلية ليشمل 12 كلم على مجرى النهر، وتهجير سكان عين عرب، والتوسع في قضم أطراف شبعا وبركة النقار وكفرشوبا، كلها عيّنات تهدف إلى إحكام السيطرة المائية.
ما لا تراه الأقمار الاصطناعية هو أن القرى ستحتاج إلى إعادة بناء عشرات آلاف المنازل والمنشآت، وإعادة تأهيل محطات الضخ وشبكات المياه والطاقة والري. لكن بعض أخطر آثار الحرب قد لا تظهر في الصور الجوية: الذخائر غير المنفجرة، ومخلفات الحرب، واحتمال تلوث التربة والمياه. تزداد أهمية الفحص في المناطق ذات الصخور الكربوناتية والخصائص الكارستية، حيث يمكن للشقوق والفواصل أن تسرّع انتقال المياه من السطح إلى باطن الأرض. لذلك، ينبغي أن تترافق إعادة الإعمار مع فحص التربة والمياه ومراقبتها.
ليست المسألة مجرد إعادة بناء البيوت بعد كل حرب. في جنوب لبنان، يسبق ذلك سؤال أعمق: ما الذي يحتاجه الناس للبقاء؟ يمكن بناء البيت، لكن ماذا يفعل صاحبه إذا لم يستطع الوصول إلى أرضه؟ يمكن إصلاح الطريق، لكن ماذا يعني ذلك إذا غاب الماء؟ يمكن غرس أشجار جديدة، لكن كيف تستعيد القرية حياتها إذا فقدت اقتصادها ومصادر رزقها؟ لقد دفع الجنوب ثمناً يتجاوز ما يمكن لأرقام الدمار اختصاره. ما يحتاجه اليوم ليس استعادة الحجر وحده، بل استعادة الشروط التي جعلت الحياة فيه ممكنة. الأرض من دون ماء لا تُطعم، والبيت من دون أرض لا يكفي، والقرية من دون قدرة على العيش فيها تصبح مجرد مكان. بعد عقود من الحروب والنزوح، لا ينبغي أن يصبح الرحيل إرثاً ينتقل من جيل إلى آخر. الجنوب يستحق أن تكون أرضه وطناً لأهله، لا موعداً جديداً للرحيل.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة