الذكاء الاصطناعي: هل الآلة بريئة أم أن الضمير هو المتهم؟


هذا الخبر بعنوان "براءة الآلة... واتّهام الضّمير!" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في مجال التربية، أصبح جلياً أن الأساليب التعليمية القائمة على مجرد تخزين المعلومات واسترجاعها، ثم اختبار الطلاب على ما تنجزه الآلة بسرعة أكبر منهم، وتسمية ذلك تقييماً، لن تستمر. لا شك أن ما يشغل العالم اليوم سيحل محل الإنسان في بعض المهام، لكن الوهم يبدأ عندما نقفز من استبدال مهمة إنسانية محددة إلى استبدال الإنسان نفسه. قد يبشرنا "المتفائلون" بتمرد الآلة قريباً وانفرادها بالحكم، ولكن يمكن القول بثقة عالية أن هذا لن يحدث مع الذكاء الاصطناعي، فلنهدأ قليلاً. يؤكد خبير المعلوماتية إيغور أشمانوف (Igor Ashmanov) أن عصبوناً واحداً في الدماغ البشري أعقد بكثير من الوحدة البرمجية الحسابية التي استعارت اسمه. فالشبكات العصبونية (Neural Networks) التي تبهرنا ليست سوى برامج تتعلم الأنماط والعلاقات بين الأشياء من خلال نماذج كثيرة متاحة لها باستمرار. لهذا، رأى كبير علماء الذكاء الاصطناعي، لوكان (LeCun)، أن هرّاً يمتلك من الحس المشترك ما لا تمتلكه أذكى الأنظمة، وهذه الأنظمة تفتقر إلى الشعور أو الوعي، رغم قدرتها المدهشة على أداء أعمال كانت حكراً على الإنسان. لكن هناك فرقاً جوهرياً: القدرة شيء، والوعي شيء آخر.
اللغة المبشرة بالوهم: إذا كانت هذه هي حدود الآلة، فمن يروج لأوهام التمرد واستبدال الإنسان، ولماذا؟ يرى لارسون (Larson) في "أسطورة الذكاء الاصطناعي 2021" أن الوهم يكمن في الاعتقاد بأن آلة تضاهي العقل البشري ستظهر حتماً، وأن الطريق الحالي يؤدي إليها. هذه اللغة المبشرة بالوهم والحتمية المخيفة تداعب الخيال لأغراض مختلفة، وتخدم ازدهار السوق، ولا تستند إلى حقائق علمية أو تمييز بين الممكن وغير الممكن. يتفق الباحثون على أن الآلة أبعد من مضاهاة الإنسان، وأن خطرها يأتي من الإنسان لا منها. شبّه نج (Ng) في عام 2015 الخوف من الروبوتات القاتلة بالخوف من الاكتظاظ السكاني على المريخ. أما راسل (Russell) في كتابه "متوافق مع البشر 2019"، فلا يخشى تمرد الآلة، بل يرى أن الخطر يكمن في بناء نظام شديد القدرة وتكليفه هدفاً لم نصغه جيداً. يذكر فيلم ستانلي كوبريك (Stanley Kubrick) "أوديسا الفضاء" كمثال، حيث لم يتمرد الحاسوب هال (HAL) لأنه يكره الطاقم، بل لأنه كُلّف بقول الحقيقة وإخفاء حقيقة المهمة في آن واحد. الفيلم لم يتنبأ بتمرد الآلة، بل نبه إلى أخلاقيات من يشغلها.
الخطر الأشد رعباً: تفكيك سردية تمرد الآلة لا يجب أن يحجب الخطر الأشد رعباً: آلة بلا شعور، يستخدمها إنسان قادر على الكراهية والتحيز. المشكلة ليست في استقلال الآلة، بل في شدة طاعتها لنا. في حرب غزة، كشفت تحقيقات +972 Magazine وLocal Call (نيسان 2024) عن برامج ذكاء اصطناعي لتصنيف الأشخاص وتعيين أهداف. أحد هذه البرامج صنف حوالي سبعة وثلاثين ألف شخص كمقاتلين محتملين، وأدرجهم في قوائم الاستهداف، دون مراجعة بشرية كافية. وما قيمة المراجعة البشرية إذا حولت السرعة والثقة بالخوارزمية المراجع إلى مجرد موظف يضغط زر الموافقة على قرارات الآلة؟ هنا تظهر إدانة الضمير لا الآلة؛ فالخوارزمية لا تميز بين طفل ومقاتل، ولا تعود إلى بيتها مثقلة بصور الضحايا. خارج الحرب، يعمل المنطق نفسه بصخب أقل؛ تُجمع بياناتنا لتُستخدم ضدنا. وصفت زوبوف (Zuboff) في كتابها "عصر رأسمالية المراقبة 2019" استخراج البيانات من سلوكنا اليومي وتحليلها للتنبؤ بأفعالنا وبيع هذه التنبؤات. وقد لا يطول الزمن حتى تتحول الأداة التي تتنبأ بما نريد إلى أداة تؤثر في ما نريده أصلاً.
الانتقال من امتلاك المعرفة إلى حسن استعمالها: في التربية، أصبح واضحاً أن التعليم القائم على تخزين المعلومات واسترجاعها لن يستمر. لا يُطلب طرد المعرفة من المدرسة بحجة أن الآلة تحفظها، فالتفكير لا يتم بلا معرفة. المطلوب هو الانتقال من امتلاك المعرفة إلى حسن استعمالها: كيف نتحقق منها؟ متى نقبل جواب الآلة ومتى نرفضه؟ كيف نقيم المصدر؟ هذا يجعل ثقافة الذكاء الاصطناعي، فهمه واستعماله بوعي ونقد، كفاية أساسية لا نشاطاً هامشياً. أوصت المفوضية الأوروبية (European Commission) ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) في حزيران 2026 بهذا التوجه. أخشى أن نضيف درساً بعنوان "الذكاء الاصطناعي" للمنهج، ثم نطلب حفظ تعريفاته للامتحان! السؤال الملّح الآن: أين موقع هذه الكفايات؟ ومن يدرسها؟ وكيف نقيس أثرها قبل أن تتحول إلى مجرد عناوين براقة في الوثائق التربوية؟ في المحصلة، لسنا مضطرين للاختيار بين خرافة آلة شريرة وأخرى محايدة. ستصبح الآلة شديدة القدرة، فتسهم في مضاعفة فرص الخير أو الشر تبعاً لأغراض من يبنيها. يبقى الرهان معقوداً على الإنسان، لا لأنه أفضل من الآلة، بل لأنه صاحب المسؤولية عن التحقق والحكم، وهو من يحدد الغاية ويعرف النتائج. براءة الآلة ليست براءة من الخطأ أو التسبب في الضرر، بل هي براءة من الذنب؛ فالذنب مفهوم أخلاقي مرتبط بالإنسان صاحب حرية الاختيار، أما الآلة فلا ذنب لها.
تكنولوجيا
اقتصاد
تكنولوجيا
تكنولوجيا