اليمين المتطرف والإسلاموية المتشددة: شراكة مصالح خفية في دائرة مفرغة


هذا الخبر بعنوان "في خندق واحد: الإسلاميون المتشددون واليمين المتطرف الأوروبي" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في تحليل معمق للعلاقة بين اليمين المتطرف الأوروبي والإسلاموية المتشددة، يكشف المقال أن الطرفين ليسا مجرد خصمين، بل شريكين موضوعيين في كثير من الأحيان. فخطاب أحدهما يغذي الآخر، وأفعال أحدهما توفر مادة دعائية للآخر، مما يعزز نفوذهما وقاعدتهما الشعبية. يمنح الإسلاميون المتشددون اليمين المتطرف الأوروبي أدلة لإدانة المسلمين جماعيًا، بينما يوفر اليمين المتطرف للإسلاميين المتشددين ما يحتاجونه لإقناع أتباعهم بعداء الغرب للإسلام.
تتشابه العلاقة بينهما كعلاقة المرآتين المتقابلتين، حيث يقدم كل منهما نفسه كحصن أخير أو رأس حربة في مواجهة الآخر. ورغم العداء الظاهري، فإنهما يؤديان وظيفة واحدة تتمثل في تغذية بعضهما البعض بالذخيرة السياسية والإيديولوجية اللازمة لاستمرارهما. فاليمين المتطرف لا يحتاج المسلمين المسالمين الذين يدحضون سرديته، بل يحتاج إلى المتشددين الذين يعلنون رفضهم للديمقراطية أو يرفعون رايات التنظيمات الإرهابية. وبالمثل، لا يحتاج الإسلاميون المتشددون إلى أوروبا المنفتحة، بل إلى السياسيين العنصريين والصحفيين الذين يعممون جرائم الأفراد على جماعة بأكملها، مما يمنحهم الدليل على كراهية الغرب للإسلام.
إنها علاقة تبادل خدمات غير معلنة، حيث يزود كل طرف الآخر بالصور والشعارات والحوادث والأدلة. وكلما ازداد حضور أحدهما، ارتفعت أسهم الآخر. فالإسلاميون المتشددون يمثلون أفضل جهاز دعاية لليمين المتطرف الأوروبي، واليمين المتطرف الأوروبي يمثل أفضل أداة تجنيد للإسلاميين المتشددين. فبعد كل عملية إرهابية، ترتفع شعبية الأحزاب العنصرية، وبعد كل حملة تحريض ضد المسلمين، ترتفع شعبية دعاة التطرف داخل بعض الأوساط الإسلامية، في دائرة مغلقة يدفع ثمنها المواطنون العاديون.
ويشير المقال إلى أن التاريخ السياسي مليء بأمثلة مشابهة، مثل التقارب بين اليمين المتطرف الأوروبي واليمين الإسرائيلي رغم الإرث المعادي لليهود لدى بعض تيارات اليمين المتطرف. فالمصلحة والبراغماتية كانت أقوى من العقيدة والذاكرة التاريخية. واليوم يتكرر المشهد مع الإسلاميين المتشددين، حيث يكفي أن يخدم كل منهما الآخر موضوعيًا دون الحاجة إلى اتفاق سري أو تنسيق مباشر.
لا تقتصر التقاطعات على استثمار الخوف والكراهية، بل تمتد إلى رؤية تبسيطية للعالم تقسم البشر إلى معسكرات مغلقة: نحن وهم. المؤمنون والكفار. أبناء الوطن والغزاة. الحضارة والبربرية. لا مكان للمنطقة الرمادية، ولا للتعددية، ولا للهويات المركبة. الإنسان عندهما يجب أن يُختزل إلى انتماء واحد، ديني أو قومي.
في المجال الاقتصادي أيضًا، لا يطرح معظم أحزاب اليمين المتطرف الأوروبية مشروعًا ثوريًا ضد الرأسمالية، بل تتحرك ضمن الإطار النيوليبرالي مع تعديلات شعبوية. وكذلك فعلت غالبية الحركات الإسلامية السياسية حين وصلت إلى السلطة أو اقتربت منها، حيث قبلت باقتصاد السوق والخصخصة. لقد أثبتت تجارب الإسلام السياسي أن معركته الأساسية لم تكن مع النموذج الاقتصادي السائد، بل مع قضايا الهوية والثقافة والسيطرة على المجال العام. وبالمثل، فإن اليمين المتطرف الأوروبي لا يخوض حربه الأساسية ضد التفاوت الاجتماعي، بل ضد المهاجرين والأقليات. وفي الحالتين يجري تحويل الغضب الشعبي بعيدًا عن الأسئلة الاقتصادية العميقة نحو صراعات هوية لا تنتهي.
لهذا السبب، يبدو الحديث عن صراع مطلق بين اليمين المتطرف والإسلاموية المتشددة مضللًا. فهما خصمان في الخطاب، لكنهما شريكان في النتيجة. كلاهما يحتاج إلى الخوف ويعيش عليه ويستثمر فيه. كلاهما يزداد قوة كلما ضعفت الثقة بالمواطنة والتعددية، ويزدهر عندما يقتنع الناس بأن التعايش مستحيل وأن الصدام قدر محتوم. إن أخطر ما يفعله الإسلاميون المتشددون هو تشويه صورة الإسلام ومنح أعداء المسلمين أفضل الحجج لمهاجمتهم. وأخطر ما يفعله اليمين المتطرف هو التحريض ضد المسلمين ودفع بعضهم نحو أحضان المتشددين. وبين الطرفين تضيع أصوات الأغلبية الساحقة من المسلمين والأوروبيين الذين يريدون ببساطة أن يعيشوا معًا في ظل القانون والاحترام المتبادل. إن الوصف الأدق للعلاقة بينهما هو علاقة اعتماد متبادل، لا ينتصر فيها أحد، لكن الجميع يدفعون ثمن استمرارها.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة