لبنان
اقتصاد

أيلول يئن تحت وطأة الأزمات: المكتبات الصغيرة في مواجهة المدارس والغلاء

النهار١٨ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٩:٠٤ ص0 مشاهدة
أيلول يئن تحت وطأة الأزمات: المكتبات الصغيرة في مواجهة المدارس والغلاء

تنويه

هذا الخبر بعنوان "أيلول المأزوم بين رفوف المكتبة وأبواب المدرسة" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ أيلول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

يواجه أصحاب المكتبات الصغيرة موسماً دراسياً يزداد صعوبة عاماً بعد عام، حيث تتصاعد المنافسة من المدارس الكبرى والمكتبات الضخمة، وتتزايد تكاليف الإيجارات والتشغيل، وتتآكل القدرة الشرائية للأهالي. في المقابل، يجد الأهالي أنفسهم أمام عبء غلاء الكتب والقرطاسية، كما هو الحال في مكتبة الهلال.

لطالما كان شهر أيلول، بداية العام الدراسي، فترة انتعاش لأصحاب المكتبات الصغيرة، حيث تمتلئ الرفوف بالبضائع وينتظرون عودة الطلاب والأهالي لتعويض أشهر الركود. لكن بالنسبة لمحمد عاصي، صاحب "مكتبة رأس النبع" التي تعمل منذ عام 1980، لم يعد أيلول كما كان. يصف عاصي تراجع المبيعات هذا العام بنسبة تتراوح بين 50% و 60% مقارنة بالعام الماضي، مرجعاً ذلك إلى الأوضاع الأمنية، وتدهور القدرة الشرائية، بالإضافة إلى اتجاه بعض المدارس لبيع الكتب مباشرة أو عبر مكتبات محددة.

في ملف خاص بعنوان "العودة إلى المدرسة"، تسلط صحيفة "النهار" الضوء على التحديات التي تواجه الطلاب والأهالي والمسؤولين في لبنان، في ظل تداعيات الحرب وتفاقم الأزمة الاقتصادية.

تتجاوز المشكلة بالنسبة لعاصي خسارة الزبائن. فبينما تشتري المكتبات الكتب نقداً من دور النشر وتتحمل خسارة الكتب غير المباعة، تستفيد المدارس من خصومات أكبر وتستطيع إعادة الكتب غير المباعة. وقد أثر هذا التراجع على عدد الموظفين، حيث تقلص عددهم من ثمانية إلى ثلاثة فقط، بمن فيهم عاصي نفسه، الذي بالكاد يستطيع تغطية الإيجار والمصاريف اليومية.

يرفض عاصي فكرة الشراكة مع المدارس لبيع الكتب، مؤكداً على مبادئه الأخلاقية وعدم رغبته في تحقيق الربح على حساب الأهالي والتلاميذ. هذه المشكلة، المتعلقة ببيع المدارس للكتب أو تعاملها مع مكتبات معينة، ليست جديدة، وقد طالما رفعتها المكتبات الصغيرة عبر نقابتها، لتعود وتطفو على السطح مع بداية كل عام دراسي، متسائلة: "هل انتهى عصر المكتبة المدرسية الصغيرة؟"

مئات المكتبات مهددة بالإقفال

تكشف أرقام سابقة حجم التراجع في قطاع المكتبات الصغيرة. ففي عام 2018، قُدّر عددها بنحو 600 مكتبة في لبنان، مع تحذيرات من إقفال بعضها بسبب منافسة المدارس. وبعد ثلاث سنوات، أعلنت النقابة عن إقفال حوالي 50 مكتبة سنوياً، وتراجع عدد المكتبات الفعالة من 400 إلى 200. ويشير أمين سر النقابة السابق، جوزف طعمة، إلى استمرار هذا النزف، حيث أقفلت أكثر من نصف المكتبات، خاصة في أطراف العاصمة، لعدم قدرتها على دفع الأجور والإيجارات.

القانون موجود... فمن يطبّقه؟

لا تكمن المشكلة في غياب النصوص القانونية، بل في ضعف تطبيقها. فمنذ عام 2009، أصدرت وزارة الاقتصاد والتجارة بلاغات تنظم بيع الكتب والقرطاسية من قبل المؤسسات التربوية، مطالبة المدارس بالتسجيل كمؤسسات تجارية. وفي عام 2012، شددت الوزارة على ضرورة تزويد الأهالي بلوائح الكتب دون إلزامهم بالشراء من مكان محدد. وفي عام 2019، جددت وزارتا الاقتصاد والتربية قراراً مشتركاً يمنع المدارس من إلزام الأهالي الشراء منها حصراً، ونصّ على تنظيم جولات تفتيش لضبط المخالفات. ومع ذلك، يؤكد أصحاب المكتبات أن هذه النصوص لم تمنع استمرار المشكلة، حيث تستمر المدارس في بيع الكتب أو تحديد جهات معينة لتوفيرها.

تُقدّر نقابة أصحاب المكتبات أن فاتورة الكتب قد تصل إلى 10% من القسط المدرسي، وأن هامش الربح من بيعها يبلغ حوالي 20%، مما يشكل منافسة مباشرة للمكتبات الصغيرة. المفارقة تكمن في أن الدولة وضعت شروطاً ومنعت إلزام الأهالي بالشراء من جهة محددة، ومع ذلك تستمر المشكلة.

صرخة النقابة

رغم جهود نقابة أصحاب المكتبات المستمرة منذ عقد، لم تلقَ محاولاتها لمعالجة المشكلة تجاوباً كافياً. يشرح النقيب جوزف طعمة أن النقابة حاولت الحصول على مواعيد من وزارتي الاقتصاد والتربية دون جدوى، مما دفعها إلى اللجوء للإعلام. ويؤكد طعمة أن "المدارس التي تتاجر بالكتب عددها أكبر من المكتبات المسجلة في النقابة". تطالب النقابة الوزارتين بتطبيق القوانين والقرارات التي تنظم عملية بيع الكتب والقرطاسية في المدارس، قبل أن تتحول شكوى أصحاب المكتبات إلى إقفالات جديدة.

في ظل منافسة المدارس والمكتبات الكبرى، وارتفاع الإيجارات وتكاليف التشغيل، وتراجع القدرة الشرائية، يواجه أصحاب المكتبات الصغيرة موسماً صعباً. يضاف إلى ذلك، الأوضاع الأمنية المتقلبة التي تزيد من أعباء العام الدراسي. وبينما تنص القوانين على تنظيم بيع الكتب ومنع إلزام الأهالي بالشراء من جهة محددة، يبقى تطبيقها هو العامل الحاسم. المشكلة لا تقتصر على منافسة تجارية، بل تتعلق بقدرة قطاع صغير على الصمود في وجه واقع اقتصادي وأمني متغير، وإيجاد توازن يحفظ حقوق الجميع.

شارك الخبر: