السفير ميشال عيسى: جسر لبناني أمريكي في لحظة تاريخية


هذا الخبر بعنوان "أولّ منزل" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٠ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لا يعرف كاتب هذا المقال السفير ميشال عيسى شخصيًا، ولم يلتقِ به قبل أو بعد توليه منصب سفير الولايات المتحدة في لبنان. يستحضر المقال قول الشاعر أبو تمام: "وكم منزلٍ في الأرض يألفه الفتى وحنينُه أبداً لأول منزلِ".
منذ الإعلان عن تعيينه، أثيرت تساؤلات حول قدرة ميشال عيسى، ذي الأصل والجنسية اللبنانية، على تمثيل الولايات المتحدة في لبنان، وما يترتب على ذلك من قضايا الولاء المحتملة وتعارض المصالح والعواطف. إلا أن السفير عيسى نجح بسرعة في تبديد هذه التساؤلات، ليس بتقديم حلول نظرية لمسألة تعدد الانتماءات، بل بفضل سلاسة شخصيته ومهنيته العالية. لقد استثمر ببراعة التقاطع النادر بين السياسة التي تحملها واشنطن إلى لبنان اليوم والمصلحة الوطنية اللبنانية، كما يحددها الدستور، لا كما تمليها موازين القوى. هذا يعني دولة تبسط سلطتها على كامل أراضيها، تحتكر السلاح وقرار الحرب والسلم، وتستعيد أرضها المحتلة، دون منازعة من جيش أجنبي أو تنظيم مسلح.
على الرغم من أن كاتب المقال لم يلتقِ بالسفير عيسى، إلا أن حركاته، وبيانات السفارة، وتصريحاته باللغة اللبنانية بطلاقة، تشير بوضوح إلى هويته كسفير للولايات المتحدة وممثل لرئيسها وإدارتها. من الطبيعي أن يكون ولاؤه السياسي والقانوني للدولة التي أوفدته، ولكنه نجح في استثمار لحظة التقاطع بين سياسة بلده ومصلحة لبنان إلى أقصى حد. لقد أمضى لبنان عقوداً يدفع ثمن تقاطع مصالح الآخرين على أرضه وتخلي الولايات المتحدة عنه، واليوم يستطيع بصورة استثنائية أن يستفيد من هذا التقاطع لمصلحته.
تكمن أهمية وجود ميشال عيسى اليوم ليس فقط في حبه للبنان، بل في إدراكه لطبيعة اللحظة الراهنة. اتفاق الإطار والمفاوضات التي سبقته والتي بُني عليها ليست مسألة عابرة. لأول مرة منذ زمن طويل، أصبحت عناصر الأزمة مطروحة على الطاولة بترابطها الحقيقي، وفق المعادلة التي اختصرت سابقاً بـ "الأرض مقابل السلاح". قد تتعثر المفاوضات أو تتوقف، وقد تعود الحرب، لكن المعادلة نفسها لن تتغير.
منذ وصوله، يبدو عيسى كمن يحاول منع انقطاع الخيط. يتحرك عندما تتوقف الحركة، ويسعى لإعادة المفاوضات إلى مسارها عندما يظن الآخرون أنها انتهت. الأهم من ذلك، أنه يفعل ذلك من موقع واضح: الدولة اللبنانية هي المخاطَب، وهي التي تفاوض، وهي التي يفترض أن تستعيد الأرض والسلاح معاً. من المؤسف أن البعض في لبنان لا يزال يعتبر وجود جيش واحد للدولة مجرد وجهة نظر، وأن كل شيء يحتاج إلى توافق، وأن بسط سلطة الدولة، رغم بداهته، هو بند تفاوضي، وأن تطبيق الدستور يحتاج إلى وساطة دولية.
شاءت الأقدار أن ترغب الولايات المتحدة اليوم في مساعدة لبنان على إخراج إسرائيل من أرضه، وأن تضغط لإنجاح اتفاق، وأن تساهم في صناعة تسوية إقليمية. لكنها لا تستطيع أن تعيد الجمهورية إلى اللبنانيين إذا كانوا هم لا يريدون استعادتها. يبدو السفير عيسى لبنانيًا أكثر من المسؤولين اللبنانيين. وعندما تخلى عن جنسيته اللبنانية قبل تعيينه، لم يكن السبب مسألة الولاء، بل كان سبباً قانونياً يتعلق بوضع الدبلوماسي في الدولة المضيفة والحصانات والامتيازات التي يفقدها إذا كان يحمل جنسية البلد المضيف. ولعله بعد انتهاء مهمته الدبلوماسية بنجاح، يستعيد جواز سفره اللبناني ويتبوأ في لبنان أعلى المناصب التي تمكنه من إتمام مهمة استعادة لبنان.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة