لبنان
سياسة

«عبدول»: اسم أميركي يثير جدلاً بين الهوية والسياسة

المدن٢٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠١:١٦ ص0 مشاهدة
«عبدول»: اسم أميركي يثير جدلاً بين الهوية والسياسة

تنويه

هذا الخبر بعنوان ""عبدول" الأميركي: حروب الأسماء" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ آب ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

اسم «عبدول» هو اسم أميركي بامتياز، وهو الصيغة الأنكلوسكسونية للاسم العربي «عبد الـ» مضافاً إلى أحد أسماء الله الحسنى. لكنه يحمل أكثر من مجرد دلالة لغوية، فهو يمثل سوء فهم عابر للقارات، أو استسهالاً في الترجمة، أو ربما صيغة محبة تجاه المهاجر القادم من بعيد. يختزل المقطع الأول من الاسم، المجتزأ من أسماء كثيرة غير مكتملة، جمهرة من الهويات ويجمعها في خانة واحدة.

شهد عقدا السبعينيات والثمانينات صعوداً متواضعاً للاسم في الولايات المتحدة، كاسم أول، أو لقب عائلي، أو اسم شهرة. وارتبطت شعبيته، بوصفه اسماً أفريقياً أميركياً، بموجة العودة للجذور التي ألهمتها حركة الحقوق المدنية الأميركية في الستينيات. ولم يكن الاسم يشير بالضرورة إلى انتماء هوياتي إسلامي حصري، بل حمله مسيحيون ومتحولون جدد للإسلام وآخرون.

من أشهر من حمل الاسم نجمة البوب الأميركية بولا عبدول، التي ارتبط مسارها المهني بعائلة جاكسون الفنية. والمفارقة أنها يهودية من ناحيتي الأب والأم، وورثت الاسم عن والدها ذي الأصول الحلبية اليهودية والمولود في البرازيل. وفي عالم البوب أيضاً، أشهر من يحمل الكنية العائلية هي آري عبدول، والتي لم تفصح عن أي انتماء ديني في العلن، وورثت الاسم من جذور لاتينية أيضاً، من جهة الأب ذي الأصول الكوستاريكية الفلسطينية. إذاً، قد يكون «عبدول» اسماً لراقصة يهودية، أو لاعب كرة سلة أسود، أو طبيب هندي مسلم، أو مغنية من نيويورك ذات أصول لاتينية. لكن الأهم، هو اسم أميركي، محلي جداً وفي الوقت نفسه علامة إشهار تدل على آخرٍ ما، يجر وراءه سلسلة من الأسماء الثقيلة.

بولا عبدول عبد الرحمن محمد السيد، المرشح الديموقراطي لانتخابات مجلس الشيوخ في ولاية ميشيغان، هو ظاهرة أميركية خالصة، واسم شهرته «عبدول» هو ختم أميركيته. حملة صيد الساحرات التي شرع الحزب الجمهوري في شنها ضده، بدأت بتجريده من اسمه الأميركي. فعلى غير العادة في السياسة الأميركية، يشير إليه ترامب باسمه الكامل مشدداً على اسمه الأوسط، محمد. في الماضي، استخدم ترامب الحيلة الدلالية نفسها ضد الرئيس السابق باراك أوباما، إذ داوم على استخدام الاسم الكامل، وبالطبع مشدداً على اسمه الأوسط، حسين.

مع زوجته، لا يستطيع ترامب أن يلعب لعبة الميلاد التي لعبها مع أوباما، أي التشكيك في مولد عبد السيد في الولايات المتحدة، وبالتالي الانتقاص من أميركيته، فهو بلا شك مولود في الولايات المتحدة، مهاجر من الجيل الثاني، أو بمعنى آخر ليس مهاجراً على الإطلاق. ينشر ترامب صورة له مع زوجته في مقارنة لصورة لعبد السيد مع زوجته المحجبة، لا لينفي أميركية المرشح الديموقراطي ذي الأصول المصرية، بل ليشير إلى أنه يمثل «أميركا أخرى».

حالة الفزع التي انتابت المعسكر الجمهوري، والتي دفعت لاتهام عبد السيد بالشيوعية تارة، وبالإرهاب الإسلامي تارة أخرى، منبعها تحديداً أنه أميركي جداً، وإن كان يمثل أميركا أخرى يبغضونها. عبد السيد مفتول العضلات على شاكلة ساسة اليمين الأميركي الصاعد، بذكورتهم المفرطة وهَوَسهم بمعدلات التستوستيرون في الدم، نموذج مثالي للحلم الأميركي. ابن المهاجرين الناجح، والحاصل على أعلى المنح الدراسية، طبيب شاب وأستاذ جامعي وكاتب وناشط نقابي ومسؤول للصحة العامة وسياسي صاعد.

يقول عبد السيد عن نفسه، أنه رأسمالي، ويشدد طوال الوقت على أميركيته ضمناً أو بشكل مباشر، وعلى امتنانه للفرص التي منحته إياها الولايات المتحدة. إشاراته الشحيحة إلى جذوره العائلية في مصر، تحمل بُعداً سلبياً. فهناك، حيث تنعدم الفرص وإمكانات الصعود الاجتماعي، كان سينتهي كسائق أجرة. يثير عبد السيد، جدلاً في الوطن الأم لوالديه، كما في الولايات المتحدة. في مصر حيث السياسة شحيحة أو محظورة، يتحول السياسي الأميركي إلى فرصة لإسقاط المخاوف والحسرات والأحلام المهدرة، فهو أحد أشباح جماعة الإخوان العائدة، وهو أيضاً رمز لما يمكن أن تحققه الديموقراطية.

هكذا يكون عبد السيد أو «عبدول» تمثيلاً لأشياء كثيرة: تناقضات الحزب الديموقراطي الساعي إلى تجديد شبابه، ولجماعة الإخوان في العالم العربي، للرأسمالية وللتقدمية اليسارية. وبقدر ما هو ظاهرة أميركية، عبد السيد أيضاً ظاهرة هجينة عابرة للقارات، ليس بسبب أصوله المصرية، بل لأن تلك هي طبيعة السياسة الأميركية وامتداد هيمنتها المعولمة. فالانتخابات المحلية لمركز الإمبراطورية تبتلع داخلها كل الهويات والمعسكرات الايديولوجية والانتماءات، وتعيد توزيعها حول العالم. هكذا يكون عبد السيد أو «عبدول»، تمثيلاً لأشياء كثيرة: تناقضات الحزب الديموقراطي الساعي إلى تجديد شبابه، ولجماعة الإخوان في العالم العربي، للرأسمالية وللتقدمية اليسارية، للإسلاموفوبيا وللفضيلة الإسلامية، للمحافظة الأخلاقية ولدعم المثليين، لضيق أفق اليمين الجمهوري ولرحابة الحلم الأميركي. هو أميركا... وأميركا الأخرى.

شارك الخبر: