من سلطة المحرر إلى سيطرة الخوارزميات: تحول الإعلام العربي في ربع قرن


هذا الخبر بعنوان "من سلطة المحرّر إلى سطوة الخوارزميّة: ربع قرن غيّر الإعلام العربي" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١١ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم تعد المنافسة الإعلامية القادمة بين صحفي وآلة، بل بين مؤسسة تستخدم التكنولوجيا بمسؤولية وشفافية، وأخرى تسعى لإنتاج أكبر قدر من المحتوى بأقل تكلفة. لقد شهد الإعلام العربي تحولاً جذرياً على مدى ربع قرن، من الصحف المطبوعة والنشرات المحددة بمواعيد إلى الأخبار المتدفقة بلا توقف على شاشات الهواتف الذكية. وبين عامي 2001 و2026، اتسعت آفاق النشر والوصول بشكل كبير، لكن غرف الأخبار فقدت جزءاً من سيطرتها على الجمهور والإعلانات.
تجسد مسيرة "جائزة الإعلام العربي" هذا التحول بوضوح؛ فبعد أن كانت تكرم الصحافة المكتوبة، أصبحت اليوم تواكب الإعلام المرئي والرقمي. في عام 2001، كانت الصحف تصل ورقية، وتتطلب أياماً من التحرير والمراجعة قبل أن تصل إلى القارئ الذي ينتظرها أسبوعاً كاملاً. كان الوقت عنصراً أساسياً في صناعة الصحافة، وكانت غرفة الأخبار، بمراسليها ومصادرها ومطابعها، تحدد إلى حد كبير ما يعرفه الناس ومتى يعرفونه. وفي تلك الفترة، كانت "جائزة الصحافة العربية"، التي تأسست عام 1999، تجمع ملامح تلك المرحلة من خلال تكريم المقالات والتحقيقات والصور والكاريكاتير، قبل أن يتوسع مفهوم التكريم لاحقاً ليشمل الإعلام المرئي والرقمي.
بعد مرور ربع قرن، قد يصل خبر واحد إلى ملايين الهواتف قبل أن يتمكن المحرر من التحقق من صحته. لم يعد السؤال يقتصر على "ماذا سننشر غداً؟"، بل أصبح "ماذا حدث قبل دقائق؟"، "هل الصورة أصلية؟"، "من يقف خلف الحساب الذي نشرها؟"، و"كيف نشرح الواقعة قبل أن تغطيها موجة جديدة من الأخبار؟". بين هذين المشهدين، تغيرت أدوات الصحافة وسرعتها واقتصادها، وبقيت الحاجة إلى معلومة موثوقة هي الثابت الوحيد.
في مطلع القرن، كانت الصحافة المطبوعة تحتفظ بمكانة أساسية في صناعة الرأي، بينما كانت الفضائيات العربية الصاعدة تعيد تشكيل المجال العام. أصبح المشاهد يتابع الأحداث مباشرة، لكن التلفزيون والصحيفة كانا يعملان وفق منطق المؤسسة: هيئة تحرير، تسلسل مهني، ومواعيد محددة. في عام 2004، عندما بدأت تجربة التحرير لموقع إلكتروني، كانت المواقع الإلكترونية للمؤسسات مجرد نوافذ إضافية للمنتج الأصلي، حيث يُكتب الخبر للورق أولاً ثم يُرفع إلى الإنترنت. تدريجياً، انقلبت المعادلة، وأصبح النشر الرقمي هو نقطة البداية، والنسخة الورقية أصبحت تجمع وتفسر ما عرفه القارئ مسبقاً.
جاء الهاتف الذكي ومواقع التواصل الاجتماعي ليكسرا احتكار المؤسسات لعملية النشر. أصبح المواطن شاهداً ومصوّراً ومعلقاً وموزعاً للخبر. وخلال الانتفاضات العربية عام 2011، تحولت المنصات إلى ساحات للتعبئة ومصادر للصور والشهادات، ومنافس فعلي للمراسل والمؤسسة الإعلامية. منح هذا الأفراد والجماعات المهمشة قدرة غير مسبوقة على إسماع أصواتهم، لكنه أزال أيضاً الكثير من الحواجز المهنية. فالشخص الذي يصوّر واقعة قد يكون شاهداً مهماً عليها، لكنه لا يملك بالضرورة أدوات التحقق من سياقها أو حماية مصادرها أو الفصل بين الخبر والدعاية.
وفقاً للاتحاد الدولي للاتصالات، كان نحو 70% من سكان المنطقة العربية يستخدمون الإنترنت في عام 2024، لكن هذا المتوسط يخفي تفاوتاً واسعاً بين الدول. لذلك، لم تنتقل المنطقة كلها إلى الإعلام الرقمي بالسرعة نفسها، ولم تختفِ الوسائط القديمة؛ بل أصبحت تتزاحم على الجمهور ذاته.
الخوارزمية على كرسي رئيس التحرير
خلال العمل في القسم الاقتصادي لصحيفة يومية بين عامي 2004 و2017، كان ترتيب الصفحة يعكس حكماً تحريرياً واضحاً. اليوم، يتلقى كل مستخدم صفحة أولى مختلفة تصنعها اهتماماته السابقة وخوارزمية لا يعرف قواعدها. قد يتفوق مقطع لمؤثر غير متخصص على تحقيق عمل عليه صحافيون أسابيع، لأنه أقصر وأكثر إثارة وقدرة على إبقاء المستخدم أمام الشاشة.
يُظهر "تقرير الأخبار الرقمية لعام 2025" الصادر عن "معهد رويترز لدراسة الصحافة" أن استهلاك الأخبار عبر الفيديو الاجتماعي ارتفع بشكل ملحوظ. وأصبحت شبكات رقمية تصل أسبوعياً إلى أكثر من 10% من المشاركين بالأخبار، مقارنة بما كان عليه الحال قبل عقد من الزمن. هذه اتجاهات دولية تساعد في تفسير المسار الذي تسلكه وسائل الإعلام في المنطقة العربية.
جمهور أكبر ومال أقل
منحت المنصات الإعلامية انتشاراً لم يكن متاحاً في زمن الورق، لكنها استحوذت أيضاً على قسم كبير من الإعلان الذي كان يمول الصحافة. ووفقاً لأحدث تقرير لـ"اليونسكو" عن اتجاهات الإعلام، تستحوذ ثلاث شركات تكنولوجية على نحو نصف الإنفاق الإعلاني العالمي، فيما تكافح المؤسسات الصحافية للحفاظ على نموذج اقتصادي مستدام.
دخلت الصحافة بذلك معادلة قاسية: جمهورها المحتمل أكبر من أي وقت مضى، لكن تحويله إلى إيرادات مستدامة أصبح أصعب. أغلقت صحف، وتقلصت غرف أخبار، ولجأت مؤسسات إلى الاشتراكات والعضوية والفعاليات والمحتوى المدفوع. وفي المنطقة العربية، اجتمعت الأزمة الاقتصادية مع صغر بعض الأسواق الإعلانية والاستقطاب السياسي والقيود المهنية وهجرة الكفاءات.
لم يعد الصحافي ينتج مادة واحدة بصيغة واحدة؛ فالقصة نفسها قد تتحول إلى نص للموقع، ومقطع قصير، ومنشور لمنصة اجتماعية، ونشرة بريدية أو حلقة صوتية. وسّع ذلك مهارات الصحافي، لكنه زاد حجم العمل وسرعته، وأضعف أحياناً الوقت المتاح للبحث والتدقيق.
الذكاء الاصطناعي يدخل التحرير
في عام 2026، يستطيع الذكاء الاصطناعي تفريغ مقابلة، وتلخيص تقرير، وترجمة نص، واقتراح عنوان، وإنتاج صوت أو صورة خلال ثوانٍ. الخبرة المهنية الممتدة من الترجمة الورقية إلى صناعة المحتوى الرقمي تشير إلى أن هذه الأدوات ليست قطيعة كاملة مع الماضي؛ فقد غيرت التكنولوجيا عمل الصحافي والمترجم مراراً. الجديد هذه المرة أن الآلة تنتج نصاً يبدو واثقاً ومقنعاً حتى عندما يكون خاطئاً.
يمكن لهذه الأدوات أن توفر وقت الصحافي للتحقيق والتحليل، لكنها تستطيع أيضاً اختلاق الوقائع والمراجع وتقليد الأصوات والوجوه. ولا يعني ذلك رفض استخدامات الذكاء الاصطناعي كلها، بل التحفظ عن تسليم العملية الإخبارية كاملة إليه.
لن تكون المنافسة المقبلة بين صحافي وآلة، بل بين مؤسسة تستخدم التكنولوجيا بمسؤولية وشفافية، وأخرى تسعى لإنتاج أكبر قدر من المحتوى بأقل تكلفة.
ما الذي يجب ألّا نخسره؟
بعد 25 سنة، لا يمثل أرشيف الجائزة قائمة فائزين فقط؛ إنه سجل لما تبدل في الأدوات وما بقي ثابتاً في المهنة. تبدلت المنصة من ورق إلى شاشة، وانتقلت سلطة الاختيار جزئياً من رئيس التحرير إلى الخوارزمية، لكن الحاجة إلى الدليل والسياق والمساءلة لم تتراجع.
ما يجب ألا نخسره في الطريق إلى عام 2051 هو المحرر الذي يسأل عن المصدر، والمراسل الذي يصل إلى المكان، والمؤسسة التي تصحح خطأها، والفاصل الواضح بين الخبر والإعلان والرأي. في عام 2001، كانت قيمة الصحافي تقوم، في جانب منها، على وصوله إلى المعلومة قبل القارئ. أما في عام 2026، بعدما أصبحت المعلومات تحاصر الجميع، فتتلخص قيمته في أن يتحقق منها ويضعها في سياقها ويشرح ما تعنيه. قد تتغير الشاشة، وقد يقرأ مذيع افتراضي النشرة، لكن الصحافة تبدأ حيث توجد مسؤولية بشرية عن الحقيقة.
ثقافة
منوعات
ثقافة
تكنولوجيا