الصمود في القرى الحدودية: ضمانة العودة وبناء المستقبل


هذا الخبر بعنوان "الصمود اليوم ضمانة العودة غدا" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١١ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يؤكد السفير اللبناني السابق في الفاتيكان، أنطونيو عنداري، على أهمية الحفاظ على الحياة في القرى الحدودية، مشيراً إلى أن الخسارة تتجاوز الأضرار المادية والنزوح، بل تمتد إلى خطر تحول النزوح المؤقت إلى إقامة دائمة وتأجيل العودة بلا موعد. وتكتسب قرى مثل عين إبل ورميش ودبل أهمية تتجاوز موقعها الجغرافي، فهي جزء من تاريخ الجنوب وتنوعه، وبقاء سكانها يعني استمرار الحياة اللبنانية على الحدود.
لكن الصمود يتطلب مقومات عملية تشمل الرعاية الصحية، والخدمات الاجتماعية، والزراعة المنتجة، وفرص العمل، والدخل الكريم. المعادلة واضحة: للحفاظ على قدرة القرى على الحياة اليوم، يجب الانتقال من الإغاثة إلى الصمود، لضمان عودة المهجرين غداً. وتُشكر جهات عديدة على جهودها في هذه القرى، منها كاريتاس لبنان، ونورج الدكتور فؤاد أبو ناضر، والأب هاني طوق، والسفير البابوي، بالإضافة إلى مبادرات أهلية عديدة تعمل في ظروف صعبة.
الانتقال من الإغاثة إلى بناء القدرة على الصمود يعني توفير الظروف التي تسمح للعائلات بالبقاء، لا الاكتفاء بمساعدتها على تجاوز الأزمات. يبدأ ذلك بالرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية، ودعم الزراعة، ويرتبط في النهاية بفرص العمل والنشاط الاقتصادي، فبدون وظائف، لا يمكن تثبيت الشباب، ولا حماية الأراضي إذا لم تعد الزراعة مصدراً للدخل، ولا الحد من الهجرة إذا ارتبط المستقبل بمغادرة القرية.
تبرز تجربة منظمة مالطا لبنان في عين إبل ورميش ودبل، بحضورها المستمر لأكثر من أربعين عاماً وبرامجها المرتبطة باحتياجات السكان، كنموذج يُحتذى به. تركز المنظمة على الرعاية الصحية، والزراعة، والخدمات الاجتماعية. فتؤمّن مراكز الرعاية الصحية حاجة أساسية للسكان في منطقة يصعب الوصول إلى خدماتها، مما يمنح الأهالي شعوراً بأن قراهم ليست متروكة. وفي القطاع الزراعي، يهدف الدعم إلى إبقاء الأراضي منتجة وربط العائلات بمصادر دخلها، من خلال تأمين الشتول والبذور ومستلزمات الإنتاج، وتقديم الإرشاد الزراعي. أما الخدمات الاجتماعية، فتساند العائلات الأكثر حاجة وتخفف الأعباء التي قد تدفعها إلى النزوح أو الهجرة.
فرص العمل هي أساس البقاء، والسؤال لا ينبغي أن يقتصر على ما تحتاجه العائلات اليوم، بل على كيفية تمكينها من تأمين حاجاتها غداً. في الزراعة، المطلوب تحسين الإنتاج والتسويق، وفتح الأسواق أمام المنتجات المحلية، وتطوير الصناعات الغذائية. كما يمكن دعم المشاريع الصغيرة والحرف والمهن والخدمات التي تخلق دخلاً داخل القرى، وإطلاق مبادرات تتيح للشباب العمل أو تأسيس مشاريعهم، بدلاً من جعل الهجرة الخيار الاقتصادي الوحيد. الهدف هو استخدام الدعم لمساعدة السكان على الوصول إلى مرحلة يستطيعون فيها إعالة أنفسهم ومجتمعاتهم.
يمكن أن تشكل عين إبل ورميش ودبل نقطة انطلاق لبرنامج واقعي ومتدرج، يركز على الصحة، والزراعة، والخدمات الاجتماعية، وفرص العمل. وينبغي ألا يقتصر قياس النتائج على عدد المساعدات الموزعة، بل يشمل عدد العائلات التي بقيت، والأراضي التي استمرت في الإنتاج، وفرص العمل التي أُنشئت. وإذا أثبت هذا النموذج فعاليته، يمكن توسيعه ليشمل قرى حدودية أخرى.
لا تعفي هذه الجهود الدولة من مسؤوليتها. فالقرى الحدودية تحتاج إلى أن تكون جزءاً من السياسات الإنمائية الوطنية، مع دعم الزراعة والبنى التحتية والخدمات الصحية والاجتماعية، وتأمين بيئة تسمح بالاستثمار والعمل. ويمكن للبلديات والمنظمات والجمعيات والقطاع الخاص والاغتراب اللبناني تشكيل شبكة دعم، مع تنسيق الأدوار. الدولة تبقى الجهة القادرة على تحويل الصمود إلى سياسة وطنية مستدامة.
يحمل اللبنانيون المنتشرون في العالم صلة قوية بقراهم، ويمكن تحويل هذه الصلة إلى شراكة طويلة الأمد عبر دعم المشاريع والبرامج. وتزداد فاعلية هذه المساهمات عندما تكون شفافة ومستدامة، بحيث يساهم المغترب في بناء قدرة حقيقية على البقاء.
إن الحفاظ على الوجود المسيحي التاريخي في الجنوب، كجزء من حماية التنوع اللبناني، يتجاوز ذلك ليشمل بقاء العائلات بمختلف طوائفها، واستمرار الزراعة والعمل والخدمات والحياة الاجتماعية، مما يحافظ على نموذج العيش المشترك. إفراغ القرى من سكانها خسارة وطنية يصعب تعويضها.
الصمود اليوم هو شرط العودة غداً. المهجّر لا يحتاج إلى وعود بالعودة فقط، بل إلى قرية قابلة للحياة عند عودته. دعم القرى الحدودية لا يساند السكان الموجودين فيها فحسب، بل يحمي أيضاً حق المهجّرين في العودة. المطلوب هو الحفاظ على الحياة فيها اليوم، وخلق فرص العمل والإنتاج والخدمات، حتى تصبح العودة غداً خياراً واقعياً. الصمود ليس بديلاً عن العودة، بل هو ما يجعلها ممكنة.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد