بشير الجميل: تأملات في اغتياله ودروس من الحرب اللبنانية نحو المصالحة الوطنية


هذا الخبر بعنوان "بشير!" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بعد مرور 44 عاماً على اغتيال الشيخ بشير الجميل، يجد الكاتب نفسه مدفوعاً لإعادة النظر في مواقفه تجاهه. بوصفه درزياً جنبلاطياً يسارياً شيوعياً، كان الكاتب في المعسكر المعارض للجميل، ورأى فيه تجسيداً لمشروع اليمين اللبناني، وخشي من قيام وطن قومي مسيحي يهمش الآخرين. لكن الزمن والخراب علّما الكاتب دروساً جعلت من الصعب الاستمرار في محاكمته بنفس الأفكار القديمة. يعترف الكاتب بأن طرفي الحرب الأهلية اللبنانية اختزلوا خصومهم في أسوأ صورهم، ومنحوا أنفسهم براءة لم يستحقوها.
بعد انتخاب بشير الجميل رئيساً في 23 آب 1982، بدا أنه تخلى عن عباءة القيادي الميليشياوي ليرتدي ثوب الوطن. تمسكه بشعار 10452 كيلومتراً مربعاً كان دعوةً للوحدة، ولقاؤه مع صائب سلام في 11 أيلول أشار إلى إمكانية الحوار خارج خطوط التماس. اغتياله في 14 أيلول 1982 أبقى هذا التحول مجرد وعد لم يتحقق، لكنه وعد كان يستحق الإنصات إليه.
كانت نصرة الفلسطينيين وحقوقهم أمراً صائباً، لكن الخطأ كان في منح سلاحهم حصانة أخلاقية، والتعامل مع سيادة لبنان كتفصيل يمكن تأجيله، والتساهل مع ممارسات الحلفاء، وقراءة خوف اللبنانيين من هذه الممارسات كرجعية أو خيانة، تحت شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة". كان بالإمكان الدفاع عن حق الفلسطينيين في تقرير المصير، وصون كرامة اللاجئين، والتمسك بسلطة الدولة على كل السلاح. وكان بالإمكان تفهم قلق المسيحيين دون التسليم بمشاريع الانعزال اللبناني. لكن البعض فضل نقاء الشعارات على مشقة التسوية، مما جعل اللبنانيين والفلسطينيين يدفعون الثمن. ويتساءل الكاتب عن ماهية الوطنية التي تسمح بتحويل الفقراء إلى وقود لحرب يقررها آخرون.
في عام 2005، عاد الكاتب وآخرون إلى شعار "لبنان أولاً"، مطالبين بالسيادة وإنهاء الوصاية، وهي مطالب كانت سبباً في معاداتهم لبشير الجميل. اكتشفوا متأخرين أن عروبتهم يمكن أن تتوافق مع وطن مستقل، وأن التضامن مع فلسطين لا يعني منح فصائلها وكالة عن اللبنانيين.
لا يعرف الكاتب ما كان سيؤول إليه مصير بشير الجميل لو عاش، لكنه يدرك أن فرصة نجاة قُتلت معه، كما قُتلت فرص أخرى مع رفيق الحريري وبيار أمين الجميل وغيرهم من الشهداء. كان يمكن لهؤلاء أن يختلفوا، وأن يختلف معهم الكاتب، تحت سقف دولة تحمي المختلفين من الاغتيال. وربما كان "حلم البشير" سيجد طريقه للتحقق.
يدرك الكاتب اليوم أن إنصاف خصم قديم يتطلب شجاعة تفوق شجاعة مواصلة هجائه. فالأفكار التي لم تنقذ أصحابها من الكارثة تستحق المساءلة، والضحايا يستحقون أكثر من الوفاء للأخطاء التي ساهمت في مأساتهم. أخيراً، يأمل الكاتب أن تُمنح الأحياء فرصة المصالحة التي تُمنح بسهولة للموتى، وأن تُقرأ الدروس التي فاتت في زمن البندقية، للمضي قدماً نحو بديل لبناني.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة