سوريا على مفترق طرق: صراع الاعتدال والتشدد يلوح في الأفق


هذا الخبر بعنوان "المواجهة المقبلة في سوريا: الاعتدال ضد التشدّد" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتجه الأنظار نحو سوريا مع ظهور بوادر مواجهة حتمية بين تيارين رئيسيين: المعتدلين والمتشددين. وقد تجلت هذه الانقسامات بوضوح مؤخراً، قبيل حفل الفنانة أصالة في دمشق، الذي رعته وزارة الثقافة، وشهد حرق لافتة كبيرة تحمل صورتها، وهو مشهد انتشر على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
في سوريا، يتشكل المشهد السياسي من جناحين بارزين. يمثل الجناح المعتدل السلطة والرئيس السوري أحمد الشرع، الذي يسيطر على مركز القرار. يتمتع هذا الجناح بخلفية إسلامية، لكنه يتبنى عقلية منفتحة وبراغماتية، خاصة على الصعيد الخارجي، ويدرك جيداً تنوع المجتمع السوري. في المقابل، يوجد جناح متشدد إسلامياً، يعمل بعقلية أيديولوجية ويسعى للدفع نحو إرساء حكم إسلامي.
لقد برز هذا الصراع بشكل جلي قبل حفل أصالة. فبينما رحب الجناح المعتدل، بقيادة الشرع، بالحفل وعودة أصالة، ونظم الفعالية بنجاح، واجه الحفل ورعاية وزارة الثقافة انتقادات واعتراضات شديدة من أوساط سياسية واجتماعية ودينية متشددة. لكن الخلاف أعمق من مجرد حفل فني.
يمتلك الجناح المعتدل مركزية القرار، بينما يسعى الجناح المتشدد للتشويش والدفع نحو سياسات أكثر تشدداً على المستويين السياسي والقانوني، بهدف جعل الحكم أكثر إسلاموية، وفرض تعامل أكثر تشدداً مع الأقليات، ورفض مظاهر التنوع الثقافي والتجدد، وانتقاد سياسة الانفتاح الخارجي، خاصة تجاه الغرب والولايات المتحدة.
يدرك المعتدلون واقع سوريا وتعددها المجتمعي والثقافي والمذهبي. وهم يعلمون أن أي تشدد نحو الحكم الديني سيمهد للتقسيم، حيث أن الأقليات، ونسبة من المسلمين المنفتحين في دمشق وحلب، لن يقبلوا بحكم إسلامي متشدد. أي تشدد في الحكم وتطبيق الشريعة سيولد ضغطاً شعبياً ويزيد من النزعات الانفصالية لدى الأقليات الدينية والمذهبية والعرقية كالمسيحيين والدروز والعلويين والأكراد. هذا التشدد في التطبيق سيقابله رفض، مما قد يؤدي إلى دوامات عنف تهدد استقرار سوريا ووحدتها وتفتح الباب للتدخلات الخارجية.
أما الجناح المتشدد، فينطلق من أفكار إسلامية أيديولوجية عميقة، ويمثل بشكل عام السنة الذين شعروا بالتهميش لعقود تحت حكم حافظ وبشار الأسد. يجد هذا المجتمع في إسقاط النظام فرصة لتطبيق الحكم الإسلامي وتبني نماذج سلطة أكثر تشدداً. وقد انتقد هذا الجناح انفتاح سوريا على الغرب وأوروبا، ووجه ملاحظاته للسياسة الخارجية الجديدة، ويفضل على المستوى الداخلي سياسات إسلامية أكثر تشدداً وتطبيقاً حازماً للقوة تجاه الأقليات. وقد ظهر أسلوب هذا الجناح في أحداث الساحل، حيث تدخلت فصائل من إدلب.
حتى الآن، يظل الصراع الخفي بين الاتجاهين مضبوطاً بسقف واضح، حيث يغلب الجناح المعتدل، وتقتصر المواجهة على الانتقادات والملاحظات من المتشددين. وتشير الترجيحات إلى أن تركيا تلعب دوراً في ضبط هذه المواجهة. ومع ذلك، فإن تطور هذه المواجهة لتصبح سياسية أكثر حدة، أو حتى عسكرية، أمر وارد. يمكن النظر إلى الصراع بين السلطة الحالية و"داعش" كمثال، رغم الخلفية الإسلامية لكليهما. ورغم توحيد التشكيلات العسكرية، إلا أن هذا التوحيد هش، حيث أن العديد من الفصائل قادرة على الانفصال. وظهرت هذه النماذج في اشتباكات الساحل، حيث تدخلت فصائل متعددة موالية للسلطة، لكنها تحمل أفكاراً متشددة وخلفيات جهادية، وتتحرك عبر هيئات اجتماعية ودينية تعترض بسقف مضبوط على سياسات السلطات.
شهدت الأسبوعين الماضيين تظاهرات في إدلب والجزيرة العربية، والتي تبدو كرسائل سياسية من الجناح المتشدد للسلطات السورية. قد تنفجر هذه المواجهة لاحقاً، أو قد تمهد لتقسيم مبطن، حيث ترسخ كل جماعة نفوذها في منطقتها. هناك تقديرات بأن مواجهة "الاعتدال - التشدد" محتومة، وأنها ستتحول إلى صراع بين سياسة الاعتدال التي تنتهجها السلطة الحالية بقيادة الشرع، وسياسة التشدد التي يريدها أصحاب الخلفيات الجهادية. لا يزال سقف الصراع مضبوطاً داخلياً وخارجياً، بتنسيق تركي، والاختلافات الحالية تظل في الميدان السياسي، لكن الاحتمالات في سوريا مفتوحة على مصراعيها.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة