سوريا الأثرية: بين حلم الزيارة وواقع الحرب في عالم "ريلز"


هذا الخبر بعنوان "لا مكان لسوريا في "ريلز" المدن" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٣ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في عالم "إنستغرام"، تظهر مقاطع فيديو قصيرة (ريلز) لمدن أثرية عالمية، تعرض مدرجات رومانية ضخمة وأعمدة مضاءة ليلاً وحجارة صامدة عبر القرون. اللافت في هذه الفيديوهات ليس قدم هذه المدن، بل اندماجها في الحاضر؛ فالناس يتجولون فيها بملابسهم العادية، يلتقطون الصور، ويتبادلون النصائح بزيارتها عبر التعليقات التي تحصد آلاف الإعجابات والمشاركات.
عند التفكير في سوريا، يتبادر إلى الذهن سؤال: ماذا لو كانت هذه المقاطع عن تدمر؟ ماذا لو صور أحدهم نفسه بين أعمدتها ودعا لزيارتها صيفاً؟ هل ستقتصر التعليقات على جمال المكان؟ أم ستتحول إلى تساؤلات عن الأمان، وتذكيرات بما حلّ بالموقع، وأخبار عن الأضرار؟ الفارق الحقيقي ليس في الآثار نفسها، بل في الحياة التي يفترض أن تدب حولها. قد تبدو سوريا في هذه المقاطع كصورة من الماضي، أو كشاهد على دمار الحرب، لا كمكان يمكن ببساطة أن نقول: "فلنذهب إليها".
لطالما حلمت بزيارة تدمر، ليس لسبب محدد أو خطة سفر واضحة، بل لرغبة في رؤية المدينة التي عرفتها من الكتب والصور، لا كاسم عظيم في بلد بعيد. الوقوف أمامها يحمل معنى أعمق من السياحة، فهو شعور بالارتباط بتاريخ البشرية. لكن مع الحرب، ارتبط اسم تدمر بأخبار الدمار والأضرار، وبدت وكأنها تنتمي إلى زمن آخر، وأصبح العالم يحاول إنقاذها بدلاً من أن يزورها الناس.
جيل كامل يكبر وهو يعرف أهمية تدمر، لكنه لم يحصل على فرصة لرؤيتها. لم نمشِ بين أعمدتها أو نقف أمام معابدها، ولم نعد بحكاية بسيطة عن زيارتها. هذه الخسارة تتجاوز الدمار المادي؛ إنها فقدان فرصة لتكوين ذكرى وارتباط شخصي بالمكان. الأمر لا يقتصر على تدمر، بل يشمل مدناً أخرى مثل بُصرى، التي كان مدرجها مسرحاً للحياة والفن، كما غنت فيروز فيه عام 1985. هذا يذكرنا بأن التراث يصبح حياً عندما نذهب إليه لأسباب عادية كحضور حفلة أو قضاء يوم جميل، لا كواجب حماية وترميم.
الحرب لم تقطع الطريق إلى هذه المدن فحسب، بل قطعت عاديّتها. تضرر الحجر في بصرى، لكن الأهم هو ما لا يظهر في تقارير الترميم: رحلات لم تحدث، حفلات لم تُنظّم، صور لم تُلتَقَط. لا يمكن ترميم أمسية لم تحدث، وهذا ما يجعل المدن القديمة في سوريا تبدو وكأنها هجرتنا. الحجارة باقية، ويمكن إنقاذها، لكن المسافة بينها وبين حياة السوريين اتسعت. إعادة بناء المكان لا تعني بالضرورة إعادة بناء علاقتنا به.
ربما في يوم ما، سنصلح الأقواس ونثبت الأعمدة، لكن من يعيد لطفل رحلته التي لم تحدث، أو لعائلة صورتها التي لم تلتقط؟ هذه الخسارة تجعل تلك المقاطع العابرة في "ريلز" مزعجة. جملة "أريد أن أزورها" بقيت أمنية لسنوات. ربما لم تهجرنا مدننا، بل نحن من ابتعدنا عنها. الخسارة الأهدأ للحرب ليست في سقوط الحجارة، بل في جعل جيل كامل يعرف مدنه من الكتب والصور أكثر من معرفتها من الواقع. وعندما يصبح طبيعياً لأطفال سوريا أن يقولوا إنهم يريدون الذهاب إلى تدمر أو قضاء عطلة في بصرى، وعندما يعود المدرج لاستقبال الناس لا أخبار الترميم، حينها فقط يمكن القول إن شيئاً من هذه المدن عاد إلينا.
اقتصاد
اقتصاد
ثقافة
ثقافة