لبنان
ثقافة

لماذا يغيب نجوم الإثارة النفسية العرب عن الشاشة الكبيرة؟ مقارنة مع هوليوود

النهار١٤ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٩:٥٢ ص0 مشاهدة
لماذا يغيب نجوم الإثارة النفسية العرب عن الشاشة الكبيرة؟ مقارنة مع هوليوود

تنويه

هذا الخبر بعنوان "لماذا لا نرى "روبرت دي نيرو" عربياً يقود أفلام الإثارة النفسية؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٧ أيلول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في مشهد مؤثر من فيلم الإثارة النفسي The Whisper Man، يظهر المحقق المتقاعد بيتر ويليس، الذي يؤدي دوره النجم الأسطوري روبرت دي نيرو، في غرفة مظلمة. الفيلم، الذي بلغت ميزانيته 50 مليون دولار، يستثمر في وجه دي نيرو الذي يحمل 83 عاماً من الخبرة ليجسد ثقلاً درامياً وتاريخاً من الندم وعقلاً لا يتوقف عن التفكير في مطاردة قاتل متسلسل. هذا المشهد يبرز مفارقة صارخة عند مقارنته بالواقع العربي، حيث تحتفي هوليوود بنجومها المخضرمين وتوفر لهم نصوصاً معقدة لأعمال تُعرض على منصات عالمية مثل نتفليكس، بينما يواجه الممثلون العرب المتقدمون في السن تهميشاً أو أدواراً نمطية كـ "الأب المريض" أو "ضيف الشرف"، متجاهلةً خبراتهم وتراكمهم الإبداعي.

The Whisper Man ليس مجرد رهان تجاري، بل هو نموذج لكيفية استغلال المواهب الفنية. الفيلم، المقتبس عن رواية أليكس نورث، يركز على التحقيقات السيكولوجية وأدب الجريمة في البلدات الصغيرة، حيث يعتمد التوتر على لغة الجسد ونظرات العين والتلاعب النفسي، بدلاً من الأكشن المجاني. اختيار دي نيرو، صاحب الأداء العميق، في مواجهة مايكل كيتون، الذي يلعب دور القاتل السادي فرانك كارتر، خلق "مباراة تنس" درامية رفيعة المستوى. اعتمد دي نيرو على "التمثيل الداخلي"، بينما استخدم كيتون لغة جسد اقتحامية لتعزيز تلاعبه النفسي. هوليوود هنا لم تبحث عن نجوم شباب بوجوه ملساء، بل أدركت أن قصة تدور حول "إرث الصدمات عبر الأجيال" وعلاقة الآباء بالأبناء، تتطلب حكمة سينمائية لا يمتلكها سوى رواد تجاوزوا السبعين والثمانين.

على النقيض تماماً، تبدو البنية الدرامية العربية، خاصة في مسلسلات الـ Pan-Arab، وكأنها مصابة بمتلازمة "الشباب الدائم". بمجرد أن يتجاوز الممثل العربي الخمسين، تُغلق أمامه أبواب الأدوار المركبة. الدراما "المشتركة" و"المعربة" غالباً ما تنحصر في الميلودراما الاجتماعية، مسلسلات الأكشن السريع، أو الرومانسية الموجهة للمراهقين. الفنان القدير الراحل عبد الرحمن أبو زهرة عبّر بمرارة عن تهميش جيله قائلاً: "أنا لو ما اشتغلتش هاموت"، مما يعكس الأثر النفسي المدمر للإقصاء. ولا يقتصر الأمر على الرجال، بل تعاني الممثلات أيضاً من "قولبة" قاتلة، حيث انتقدت أسماء بارزة مثل كارمن لبس وتقلا شمعون حصر ذوات الخمسين عاماً وما فوق في أدوار "الأم المضحية" الباكية أو المريضة، متجاهلين قضايا المرأة الناضجة وطموحاتها وصراعاتها الوجودية.

هذا التباين الصارخ ليس مجرد مصادفة، بل هو نتيجة لعجلة إنتاجية تتحكم بها شركات إعلانية تستهدف القوة الشرائية الشابة. يؤدي هذا إلى تضخم فلكي في أجور النجوم الشباب، واستخسار دفع أجور عادلة للكبار، مما يدفعهم للقبول بأدوار هامشية أو البقاء في المنازل. "ورش الكتابة"، التي غالباً ما تتألف من كُتّاب شباب، تفتقر للتراكم العمري والنضج النفسي اللازم لسبر أغوار شخصيات في السبعين من عمرها. النتيجة هي نصوص تُفصّل على مقاس الشباب، بينما تُكتب شخصيات الكبار بقوالب جاهزة ومسطحة: الأب المريض، الأم الباكية، أو الجد الحكيم الذي يلقي موعظة ثم يختفي.

في هوليوود، تُسخّر التكنولوجيا المعقدة للحفاظ على استمرارية مبدعيها. في فيلم The Irishman (2019)، استثمرت الصناعة ملايين الدولارات في تقنية "تقليص العمر" الرقمي (De-aging) ليتمكن سكورسيزي من إبقاء دي نيرو وآل باتشينو وجو بيشي في أدوار البطولة لمراحل عمرية مختلفة، رافضاً التفريط بـ"الروح الإبداعية" للكبار. عربياً، الاستثناءات العظيمة مع عادل إمام أو يحيى الفخراني أو نور الشريف لم تكن نتاج استراتيجية صناعية تُنصف كبار السن، بل خضوعاً لقوة "الاسم التجاري" الجبار لهؤلاء النجوم وقدرتهم التسويقية الشخصية.

شارك الخبر: