لبنان
ثقافة

معرض بيروت للكتاب: أصوات عربية تتلاقى لاستعادة الذاكرة والحوار في زمن الأزمات

المدن١٤ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٠:٢٠ ص0 مشاهدة
معرض بيروت للكتاب: أصوات عربية تتلاقى لاستعادة الذاكرة والحوار في زمن الأزمات

تنويه

هذا الخبر بعنوان "معرض بيروت بين الأمس واليوم: كتّاب عرب يجيبون" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

يجتمع الكتّاب والناشرون بالقراء في معرض بيروت الدولي للكتاب، ملتقين بذاكرة مدينة لطالما ارتبط اسمها بالكتاب والنشر والحياة الفكرية العربية. وبين من يستعيد المعرض في سنواته الأولى، ومن يرى في دورته الحالية علامة على حيوية بيروت، ومن يأتي بكتاب يحمل أثر الحرب وأسئلتها، تتعدد الحكايات وتختلف زوايا النظر، فيما يجمع أصحابها إيمانهم بأهمية أن يبقى الكتاب حاضراً في حياة المدينة. هذه السنة، حمل المعرض بالنسبة إلى عدد من ضيوفه معنى يتجاوز توقيع الكتب وعقد الندوات، فالحرب التي تطاول جنوب لبنان، والأزمات التي تمر بها البلاد، حضرت في أحاديثهم، إلى جانب الذاكرة الشخصية، وتحولات النشر، والأسئلة التي تشغل الكتّاب في أعمالهم الجديدة. بدت بيروت في شهاداتهم مدينة تحاول الحفاظ على مكانتها الثقافية، وعلى صلتها بقرائها وبالعالم العربي.

يعود المؤرخ والكاتب صقر أبو فخر بذاكرته إلى ستينيات القرن الماضي، حين كان معرض بيروت للكتاب يقام في الصالة الزجاجية، في مساحة ضيقة تستوعب أعداداً كبيرة من دور النشر اللبنانية والعربية. يتذكر الإقبال اليومي على المعرض، والقراء الذين كانوا يغادرونه محمّلين بالكتب، لكنه يستعيد أيضاً ما كان يحيط بتلك الحركة من تنافس فكري وثقافي. يقول أبو فخر إنّ التيارات القومية والماركسية والإسلامية والليبرالية كانت تتنافس آنذاك عبر الكتب والأفكار والمجلات، وإن هذا التنافس كان ينتج مجادلات ثقافية يفتقدها اليوم. من جهته هو لا يرى أن القراءة نفسها تتراجع بالضرورة، بقدر ما يلاحظ تراجع القراءة الورقية، وانحسار المجال الصحافي الذي كان يتيح للأفكار أن تتنافس وتصل إلى جمهور واسع. ومن هنا، تمتد ذاكرة المعرض لديه إلى صورة بيروت التي كانت تضم عشرات الصحف والمجلات الأسبوعية، وتتيح للحياة الثقافية أن تتشكل عبر مؤسسات ومنابر متعددة. إنها ذاكرة تطرح، في الوقت نفسه، سؤالاً عن المساحات المتاحة اليوم للنقاش الفكري، وعن قدرة الثقافة على إنتاج حوارات تتجاوز سجالات وسائل التواصل الاجتماعي. ولا ينفصل هذا الاهتمام بالتاريخ عن عمل أبو فخر الحالي، فهو يحضر بكتاب عن الحرب الأهلية اللبنانية وصل إلى طبعته الثانية، وبحوار قديم مع جورج حبش تولّى تحقيقه وتقديمه والتعليق عليه. كما يعمل على كتاب يتناول مسألة الهوية اللبنانية، ويعيد النظر في ركائزها التقليدية، فيامتداد لانشغاله بالتاريخ وبكيفية تشكّل الأفكار والهويات.

أما المؤرخ خالد زيادة، فيقرأ الدورة الحالية من زاوية مختلفة، تتصل بحيوية المعرض وقدرته على جمع الناشرين مجدداً. ويشير إلى أن الاتفاق بين اتحاد الناشرين والنادي الثقافي العربي، برعاية وزارة الثقافة، أتاح توسيع مساحة المعرض ومشاركة أكثر من 160 دار نشر، إلى جانب برنامج يضم عشرات الندوات خلال عشرة أيام. بالنسبة إلى زيادة، تحمل هذه المشاركة دلالة تتجاوز الأرقام، إذ يرى فيها مؤشراً إلى أن بيروت لم تفقد دورها الثقافي العربي، رغم ما تمر به من أزمات والعدوان الإسرائيلي المستمر على لبنان. ويعتبر أن الإصرار على إقامة المعرض يعكس تمسك المجتمع اللبناني بحيويته، وأمله في استعادة عافيته الثقافية والتجارية وسائر وجوه الحياة العامة. ويأتي كتابه الجديد "عقد الستينيات الفريد" الصادر عن دار رياض نجيب الريّس، في سياق اهتمامه بالتاريخ والذاكرة. ففيه يمزج السيرة والمذكرات بالتاريخ السياسي، مستعيداً مرحلة شهدت تحولات واسعة في العالم، من الحركات الطلابية والثورة الثقافية إلى نكسة حزيران وماتركته من أثر في العالم العربي.

من المغرب، يأتي الكاتب والروائي عبد الإله بن عرفه إلى المعرض حاملاً تقديراً خاصاً لمكانة بيروت في الحياة الثقافية العربية. وهو يشبّه المعرض بـ"المحرار الذي نقيس به صحة بدن هذا البلد"، معتبراً أن الإقبال عليه يمنح انطباعاً بالتعافي، وأن توحيد المعرض يعزز قدرته على استعادة دوره. يقول بن عرفه إن بيروت لا تكتب وتنشر لنفسها وحدها، هي تنشر للعالم العربي أيضاً ويرى في النشر إحدى أبرز صور قوتها الناعمة. وهذه العلاقة بالمدينة نشأت حين اختار دار الآداب لنشر كتبه، ويعود إلى بيروت بوصفها مساحة للقاء القراء والكتّاب، ولتجديد الصلة بتقاليد ثقافية مازالت حاضرة رغم الأزمات. لكن انشغاله لا يقتصر على دور بيروت. فبعد إنجاز مشروع روائي طويل، يتجه الروائي المغرب يإلى أسئلة تزييف الوعي واختطافه، وإلى ما يسميه "عصر الاستبدال" في إشارة إلى احتمال استبدال الإنسان بالآلة، وإلى الأسئلة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على معنى العقل واللغة والوجود الإنساني. وبين مكانة الكتاب في المجتمع وتحولات التقنية، يفتح حديثه باباً على تحديات تتجاوز حدود المعرض نفسه.

ومن جهته، يرى الروائي التونسي الحبيب السالمي أن العلاقة بين لبنان والكتاب ظلت ثابتة رغم المحن. وهو يتحدث عن احتفاء المعرض بالكتاب، وعن صلة بيروت بالنشر العربي، قبل أن ينتقل إلى روايته التي يتناول فيها العلاقة المعقدة بين الشرق والغرب من خلال حكاية تونسي وحماته الفرنسية. هكذا ينطلق من حكاية شخصية ليصل إلى أسئلة ثقافية وحضارية أوسع، في مقاربة تشبه طريقته في الكتابة، حيث لا تتوقف الرواية عند حدود الحكاية، هي تحاول اكتشاف ما وراءها. ويعكس حضوره في بيروت أيضًا استمرار العلاقة بين كتّاب عرب ومدينة ما زالت دار النشر واللقاء بالقراء جزءاً أساسياً من تجربتهم الأدبية.

يذهب بعض الكتّاب مباشرة إلى العلاقة بين الثقافة والحرب، وإلى ما يمكن أن تفعله الكتابة في مواجهة التجارب التي تعيد تشكيل حياة الناس. الشاعر فوزي يمين، الذي أمضى ساعات في التجول بين أجنحة المعرض، يلاحظ أن الدورة الحالية جاءت بحلّة جديدة، مع تنوع أكبر وتعاون بين الجهات المشاركة. لكنه يتوقف خصوصاً عند معنى إقامة معرض للكتاب في بلد يعيش الحرب، وفي وقت يتعرض فيه الجنوب للاعتداءات. يقول يمين إن الثقافة "موقف حتى بقلب الحروب" وإن استمرارها يعني أن الكلمة ما زالت تحتفظ بمعناها. ولعل هذا الموقف يتصل أيضاً بانشغاله بالذاكرة المحلية خارج العاصمة. فهو يعمل على جمع مختارات من ثمانية كتب شعرية صدرت له بين عامي 1994 و2024، في محاولة لإعادة إتاحة نصوص لم تعد بعض طبعاتها متوافرة. ويمتد اهتمامه إلى الرواية، التي يجد فيها مساحة للتعبير عن حكايات لا يستطيع الشعر استيعابها وحده. يتحدث عن المجتمع الذي عاش فيه، وذاكرته وذاكرة والده، والحروب الأهلية، والشخصيات التي بقيت على هامش السرد العام. وفي زغرتا ومناطق أخرى من الشمال، يشارك في نشاط ثقافي يسعى إلى وصل الذاكرة المحلية بالأجيال الجديدة، معتبراً أن استمرار هذه المبادرات قد يشكل، بدوره، موقفاً من الحرب.

أما الكاتب طارق العريس صاحب "أهل الماء والنار" فيقترب من الحرب من جهة التجربة الشخصية. كتابه الجديد، يحاول استكشاف الطريقة التي تعيد بها الحرب تشكيل الذات والمخيّلة، وتبدّل علاقة الإنسان بالماضي والمستقبل والذاكرة. وتكتسب هذه المقاربة دلالتها من اجتماع الماء والنار في عنوان الرواية، فهما عنصران يتجاوران في حياة بيروت، المدينة التي يطل بحرها على تاريخ طويل من الحروب والتحولات. هنا تبدو الحرب تجربة تستمر آثارها في تشكيل الوعي، وفي الطريقة التي يستعيد بها الإنسان ما عاشه ويتصور ما ينتظره.

من زاوية أخرى، يستعيد الإعلامي أكرم خزام تجربته مع المعرض، الذي واكب دوراته على مدى سنوات إقامته في بيروت. وهو يرى فيه ملتقى للكتّاب والأدباء والمؤرخين والفلاسفة، وفرصة لتبادل الكتب والخبرات والمعلومات، فضلاً عن لقاء أصدقاء انقطعت صلته اليومية بهم بعد ابتعاده عن المدينة. وتنعكس اهتماماته بالتاريخ والتحولات السياسية في كتابه "رحلتي مع الزلازل والتحولات" الذي يتناول فيه انهيار الاتحاد السوفياتي والتحولات التي أعقبت وصول فلاديمير بوتين إلى الحكم، وصولاً إلى الربيع العربي وما أثاره من أسئلة حول أسباب الانتفاضات والتحولات الت يشهدتها بلدان المنطقة. وبين تجربته الصحافية وما عاشه في روسيا، تبدو الكتب بالنسبة إليه مساحة لفهم التحولات الكبرى.

بالنسبة إلى الروائي الجزائري واسيني الأعرج، أهمية معرض بيروت تشمل التواصل المباشر مع القراء. ويقول إن الجمهور اللبناني مهم بالنسبة إليه، حتى حين لا يكون اللقاء مرتبطاً بشراء الكتب، لأن النقاش مع القراء يتيح للكاتب أن يختبر أثر عمله ويتفاعل مع أسئلة الناس. وقد عبّر الأعرج عن سعادته بعودة المعرض إلى صيغة موحّدة، معتبراً أن توحيده يحمل دلالة رمزية تتصل بتوحيد الرؤية، وأن بلداً صغيراً مثل لبنان ينبغي أن يكون لديه معرض واحد يجمع هذا النشاط الثقافي. وتتصل هذه النظرة بمشروعه الروائي نفسه. ففي روايته "الريميتي" يستعيد حياة المغنية الجزائرية التي لم تنل، في رأيه، الاعتراف الرسمي الذي تستحقه، رغم الاعتراف الشعبي الذي رافق مسيرتها ووصولها إلى مسارح عالمية. ومن خلال إعادة بناء حياتها روائيًا، يضيء الأعرجعلى مصائر شخصيات ظُلمت أو أُهملت، وعلى الفجوة بين اعتراف الجمهور ومواقف المؤسسات. لكن الحرب تبقى حاضرة في حديثه عن الكتابة. فهو يعمل على استكمال كتاب يتناول الحروب المتعاقبة، انطلاقاً من تجربته السابقة مع الحرب الأهلية، ومحاولة فهم اللحظة الراهنة التي لم يستطع لبنان الخروج منها إلى استقرار نهائي. وعندما يتوجه بالكلام إلى أهل غزة وجنوب لبنان، يختصر موقفه بالقول إن الكتابة أحد أشكال المقاومة، وإن الاستمرار في الكتابة والتفكير هو أيضًا تمسك بالمستقبل.

تتعدد هذه الشهادات، وتختلف خلفيات أصحابها وتجاربهم، لكنها تلتقي عند معنى واحد من دون أن تتطابق في تفسيره: أهمية أن يبقى الكتاب حاضراً، وأن تستمر اللقاءات بين الكتّاب والقراء، وأن تظل بيروت مساحة للنشر والنقاش والتبادل الثقافي. يتيح المعرض، ولو مؤقتاً، أن تجتمع هذه الأصوات المختلفة في مكان واحد. أصوات عربية متنوعة تستعيد الذاكرة، وتعرض الكتب الجديدة، وتفكر في الحرب والهوية والإنسان، وتختلف في ما بينها حول العالم الذي تعيش فيه. كلها في مدينة ارتبط تاريخها الثقافي بقدرتها على جمع هذه الاختلافات، ربما تكمن أهمية معرض بيروت في أنه يتيح للكتاب أن يظل جزءاً من السؤال الراهن واحتمالات الأجوبة.

شارك الخبر: