عندما تتجاوز السياسة حدودها: الحب والشعر كمنفذ للإنسان


هذا الخبر بعنوان "عندما خسرت السياسة الإنسان... ربحه الحب والشعر" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
عندما تغلق السياسة أبواب الفعل المباشر وتُحجب آفاق التغيير، لا يختار الإنسان الصمت بل يبحث عن مسارات بديلة للحفاظ على كرامته ووجوده. يلجأ إلى الحب، الشعر، أو السخرية لإعادة بناء مساحة حرة وفاعلة. لا يهدف هذا إلى استبدال الأدب بالسياسة أو إصلاح المؤسسات المنهارة، بل إلى معالجة الإنسان الذي يعيش هذا الانهيار. هذه الفكرة تجلت بوضوح أثناء قراءتي لكتاب "حديث الأربعاء" للدكتور طه حسين، حيث لم أجد مجرد نقد أدبي أو استعراض لتاريخ الشعر، بل تشريحاً لطرق التعافي من الخيبات. فالشعر العربي لم يكن مجرد ترفٍ في أوقات الرخاء، بل كان ملاذاً نفسياً صادقاً لحماية الذات من قسوة التحولات، حيث يمثل الفن صرخة خفية للروح.
يعلمنا التاريخ الأدبي أن الهزائم لا تقضي على الخيال، بل غالباً ما تكون أرضاً خصبة للإبداع. لفهم كيف يتحول الإحباط العام إلى أثر يتجاوز الزمن، يمكن النظر إلى المرحلة التي تلت قيام الدولة الأموية وتأسيس دمشق عاصمة للحكم. أدى هذا التحول إلى تغيير موقع الحجاز السياسي؛ فبعد أن كان مركزاً للحياة السياسية والدينية، وجد جزء من نسيجه الاجتماعي نفسه بعيداً عن مركز إدارة الحكم، مما ولد شعوراً بالتهميش وضيق الطموح. وفي ظل الثراء والعطاء، برزت أنماط اجتماعية جديدة خففت من آثار التراجع السياسي. لكن الرخاء لم يمحُ الشعور بالخسارة، فانقسمت الحساسية الشعرية بين متعة الحواضر ولوعة الصحراء.
في مدن مثل مكة والمدينة، حيث توفر المال وتراجع الأمل في استعادة الدور السياسي، برز تيار الغزل الصريح مع عمر بن أبي ربيعة. قد يكون هذا التحول تعويضاً رمزياً؛ فباستغلال نسبه وثروته وتجاوز القواعد، استعاد ابن أبي ربيعة في مسرح الحب مركزية وفاعلية افتقدها في مسرح السياسة. وعلى النقيض، في صمت الصحراء، وُلد الغزل العذري الحزين. يرجح طه حسين في قراءته النقدية أن "مجنون ليلى" قد لا يكون شخصية تاريخية مؤكدة، بل قناعاً رمزياً ابتكرته مخيلة شعراء البادية لمواجهة حرمانهم، ليبكوا من خلاله حباً مستحيلاً يعوضهم عن غاياتهم الضائعة. بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع هذا الترجيح، فإن القيمة التفسيرية تكمن في كشف قدرة الروح على خلق الأساطير لتجنب التجمد أمام انسداد الواقع.
المقارنة بين هذه التجارب ليست في ظروف الزمان أو طبيعة المظالم، بل في الآلية النفسية المتكررة عبر العصور: عندما يفقد الإنسان قدرته على التأثير المباشر، يعيد خلق مجال يتغلب فيه على التهميش. ولبنان المعاصر ليس بعيداً عن هذا المعنى؛ فبعد سنوات طويلة من الخيبات وتراجع القدرة على إحداث فارق، لم يصمت الوجدان العام، بل أعاد توجيه طاقته المكبوتة نحو وسائط أخرى. تجسد ذلك في السخرية والتشريح القاسي للواقع كما في مسرح زياد الرحباني، حيث لم تكن السخرية مجرد فكاهة، بل شكلت مقاومة نفسية تحمي الذات حين تعجز السياسة عن إحداث التغيير. إن التأمل في يأس ابن أبي ربيعة المترف، ويأس "المجنون" الفاني، ولجوء الناس اليوم إلى السخرية والذاكرة، يكشف أن الضحك، البكاء، التغزل، والجمال قد تكون أدواتنا الأخيرة لترميم الذات. قد تغير السياسة العواصم ومراكز النفوذ والسلطات؛ قد تربح السياسة معركة الحاضر، لكن الحب والشعر والفن يربحون في النهاية المعركة الأصعب: معركة الذاكرة والبقاء.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة