لبنان
اقتصاد

لبنان: كيف كشفت الأزمة المالية عن ضعف الثقافة المالية لدى الجميع؟

النهار١٣ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٥:٠٤ م0 مشاهدة
لبنان: كيف كشفت الأزمة المالية عن ضعف الثقافة المالية لدى الجميع؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "حين تبدو الأرقام مطمئنة: درس لبنان في الثقافة المالية" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

بعد أي أزمة مالية، يسهل تحميل المسؤولية للنظام وحده، أو تحميل الأفراد فوق طاقتهم. لكن التجربة اللبنانية تستدعي قراءة أعمق. فبالإضافة إلى الاختلالات العميقة في المصارف والدولة والسياسات النقدية، كان ضعف الثقافة المالية عاملاً حقيقياً في المشكلة، وتجاهله يعيق التعلم من الماضي.

بعض المودعين لم يدركوا معنى الحصول على عائد مرتفع جداً على وديعة يفترض أنها آمنة، ورأى آخرون العائد الاستثنائي دون سؤال عن مصدره. حتى من أدرك المخاطرة، قبلها مقابل إغراء العائد. هذا لا يعكس نقصاً في المعلومات فحسب، بل ضعفاً في تقدير المخاطر، وفي بعض الحالات طمعاً واضحاً.

تبدأ الثقافة المالية بفهم المنطق وراء العرض المالي. عندما يضطر مصرف لدفع عائد مرتفع لجذب الأموال، فهذه ليست ميزة للمودع، بل إشارة إلى تكلفة التمويل المرتفعة. يجب أن ينتقل السؤال فوراً من حجم العائد إلى سبب الحاجة إليه.

في السنوات التي سبقت الأزمة، ارتفعت العوائد على الودائع، وأصبحت العروض أكثر سخاءً مع اشتداد الحاجة للأموال. ومع استمرار النظام، بدا ما كان يجب أن يثير الحذر مألوفاً وقابلاً للاستمرار. وهنا تكمن خطورة ضعف الثقافة المالية: عندما يستمر النظام رغم إشارات الخطر، قد يتحول بقاؤه إلى سبب للاطمئنان، ويصبح ارتفاع العائد معياراً للمفاضلة بين المصارف بدلاً من أن يكون سبباً للسؤال.

لم تقتصر المشكلة على تقدير العائد، بل امتدت لفهم طبيعة الوديعة نفسها. تعامل الكثيرون مع الوديعة المصرفية كنقد محفوظ، بينما هي في الواقع حق على المصرف. قدرة المصرف على الوفاء بهذا الحق تعتمد على كيفية استخدامه للأموال وسلامة أصوله. لذلك، فإن ثبات الرقم في الحساب لا يعني بالضرورة الأمان، فقد تتغير قدرة الجهة الضامنة على الوفاء بالتزامها.

هذا يقود إلى مستوى آخر من المخاطر في لبنان. قد يعتقد المودع أنه قلل المخاطر بتوزيع أمواله على عدة مصارف، وهذا صحيح إذا كانت المخاطر فردية. أما عندما تكون المصارف معرضة لنفس الخطر، فإن التوزيع ينوّع الأسماء لا الخطر الاقتصادي. في لبنان، ارتفع انكشاف المصارف مجتمعة على مصرف لبنان والدولة من نحو 62% من إجمالي أصولها في نهاية 2017 إلى 69% بحلول أيار 2019، وفقاً لصندوق النقد الدولي. لذا، قد تتعدد الحسابات والمصارف، بينما يبقى جزء كبير من الثروة معرضاً للخطر الأساسي نفسه.

لا يُطلب من كل مودع أن يصبح محللاً مصرفياً، بل يكفي أن يعرف أن العائد المرتفع يحمل معلومة، وأن الوديعة ليست نقداً محفوظاً، وأن التنويع لا يتعلق بعدد الحسابات فقط بل بمصادر المخاطر. ورغم أن قياس هذه المخاطر لم يكن سهلاً للمودع العادي، وأن المعلومات المتاحة لم تكن كافية دائماً، فإن الثقافة المالية ترفع جودة القرار، لكنها لا تلغي مسؤولية المؤسسات والرقابة والسياسات العامة.

لم تكن الثقافة المالية كافية وحدها لمنع الخسائر، فالنظام المالي كان يعاني مشكلات عميقة. لكن البدائل لم تكن معدومة؛ كان بإمكان بعض الأسر تخفيف انكشافها للمصارف بالاحتفاظ بجزء من الثروة خارج النظام المصرفي، أو في الذهب، العقار، أو أصول أخرى، أو في الخارج. هذه الخيارات اختلفت قدرتها على الاستخدام بحسب حجم المدخرات والسيولة والوصول إلى أسواق خارجية.

أهم ما يجب أن يتغير في مفهوم الثقافة المالية بعد الأزمة هو طريقة التفكير. لا يكفي معرفة كيفية الادخار أو مقارنة الفائدة، بل الأهم تعلم قراءة ما وراء العرض المالي: ما الذي يجعل هذا العائد ممكناً، وما الذي يجعله غير قابل للاستمرار، وما مقدار الخطر الفعلي مقابل هذا العائد.

ربما تكشف التجربة اللبنانية عن فكرة أبعد: الخطر المالي لا يبدأ دائماً عندما تصبح الأرقام سيئة، بل قد يتراكم في فترات تبدو فيها المؤشرات مطمئنة. فالعائد المرتفع، والثبات الطويل، والثقة الواسعة قد تُقرأ كدلائل على القوة، لكن استمرارها لا يعني بالضرورة سلامة الأسس. الاختبار الأصعب للثقافة المالية هو ألا نعتبر ما دام لفترة طويلة دليلاً على أنه قابل للدوام، وأن نسأل ما الذي يدعم هذا الوضع فعلاً، وما الذي قد يحدث إذا تغيّرت الشروط التي يقوم عليها.

شارك الخبر: