لبنان
اقتصاد

معيشة السوريين أولاً: لماذا تتجاهل السياسة الداخلية هموم المواطنين؟

المدن١٣ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٩:١٨ م0 مشاهدة
معيشة السوريين أولاً: لماذا تتجاهل السياسة الداخلية هموم المواطنين؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "معيشة السوريين تستحق تأنّي السياسة الخارجية" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

نادراً ما تجد مواطناً سورياً، منهمكاً في البحث اليومي عن قوت يومه، يناقشك في احتمالية تورط سوريا في حرب اليمن بمقاتلين أو مهام دفاعية لدعم علاقتها بالسعودية. كما أن الكثيرين لا يتطرقون لتفاقم مداهمات قوات الاحتلال الإسرائيلي في درعا والقنيطرة، أو تدمير المحاصيل. ولا يكترثون كثيراً بالحديث عن بروز سوريا كبديل لوجستي بسبب اضطراب الملاحة في مضيق هرمز. فالمواطن السوري، الذي كان معروفاً باهتمامه المفرط بالسياسة الخارجية، أصبح منذ سنوات يركز على همومه المعيشية المباشرة. هذا ينطبق على الأغلبية، وليس النخب الفكرية أو الإعلامية. نتحدث عن سائق تاكسي، صاحب بقالة، أو بائع متجول. قد يهتم لدقائق بخبر إقليمي يؤثر على الوضع السوري، لكنه سرعان ما يعود للحديث عن معيشته ومشكلاته.

الشغل الشاغل لمعظم السوريين حالياً هو جودة البنزين وتأثيره على سياراتهم. الأعطال الناجمة عنه تكلف مئات الدولارات، مما يثقل كاهل الباحثين عن لقمة العيش. لا تشغلهم السياسة الداخلية، التي تبدو بلا معالم واضحة، ولا الخارجية، التي تحظى بتقدير كبير لكنه لا يكفي لتغطية الاستياء من سوء إدارة الشأن المعيشي.

بعد سقوط النظام السابق، فرح السوريون برفع القيود عن استيراد السيارات المستعملة، وسارعوا لشرائها بمدخرات العمر. أدى ذلك إلى ازدحام الشوارع، فوضى مرورية، وارتفاع تكاليف الصيانة وقطع الغيار، مما أثر سلباً على الاقتصاد الوطني. لاحقاً، أدركت الجهات المعنية تسرع القرار وضيقت باب الاستيراد. ورغم أن قرار فتح الاستيراد كان له تبعات مالية سلبية، إلا أن المواطن السوري المرهق معيشياً يدافع عنه قائلاً: "كان دولاب السيارة حلم".

على غرار الحسابات الآنية قصيرة المدى التي حكمت قرار استيراد السيارات المستعملة، فإن إدارة العديد من الملفات المرتبطة بحياة السوريين تفتقر إلى دراسة التبعات البعيدة. المعالجات تبدو آنية وتفتقر للاستباقية المفترضة لدى صانع القرار الرسمي. صحيح أن هناك بناءً تراكمياً إيجابياً في بعض الملفات مثل الداخلية، المالية، ودمج القطاع المصرفي بالمنظومة الدولية. لكن الملفات الأكثر التصاقاً بمعيشة السوريين تبدو الأكثر عشوائية في إدارتها.

ملف المحروقات مثال صارخ على ذلك، حيث تتكرر أزماته وتشير إلى غياب منهجية إدارة استباقية. في أزمة البنزين سيء الجودة الحالي، تظهر أمثلة على اتخاذ إجراءات في سلسلة التوريد دون دراسة تبعاتها. تنتشر شائعات حول سبب الأزمة، منها أنه بنزين مخصص لآليات عسكرية، أو صفقة مشبوهة، أو شوائب من مصفاة حمص. تملأ الشائعات فراغ المعلومة الرسمية وسط اضطراب رد الفعل الحكومي.

بالتوازي، تبدأ أزمة أخرى تتعلق بتوريدات المازوت مع بدء فصل الشتاء في محافظات الشمال السوري. إدارة ملف استيراد وتوزيع المشتقات النفطية مسؤولية جسيمة، لطالما قضّت مضاجع السوريين وجعلت طوابيرهم على محطات الوقود أسطورية. هل يعقل أن هذا التحدي المستمر منذ سنوات لم يجد سبيله نحو بناء منهجية مستقرة للمعالجة؟ بعد عامين من تولي الإدارة الجديدة لهذا الملف، يصعب تبرير الأزمات بحداثة المسؤولية. يبدو أن إجراءً ما اتُخذ باستسهال في إحدى حلقات سلسلة توريد البنزين المغشوش، دون احتساب لتبعاته.

في الوقت الذي تُدار فيه السياسة الخارجية بحذر وتأنٍ ودراسة مستفيضة، فإن السياسة الداخلية المرتبطة بمعيشة السوريين غالباً ما تُدار بحسابات آنية قصيرة الأفق. هذا ينعكس في اضطرابات الوضع المعيشي وترسّخ التقييم السلبي لأداء الحكومة لدى الشارع السوري. التحدي الأبرز أمام الحكومة اليوم هو نقل منهجية الدراسة المتأنية واحتساب العواقب، المتبعة في صنع القرار الخارجي، إلى ملفات الإدارة اليومية لحياة السوريين المعيشية. فالهم المعيشي يغلب على تفكير السوريين، وتقييمهم للسلطات يرتبط بصورة رئيسية بكيفية إدارتها لهذا الهم.

شارك الخبر: