وليد جنبلاط: التاريخ يدعوه لقيادة لبنان نحو تسوية كبرى


هذا الخبر بعنوان "وليد كمال بك جنبلاط… حينما يصبح التاريخ نداءً لإنقاذ لبنان" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لا يُعد وليد جنبلاط مجرد اسم عابر في السياسة اللبنانية، بل هو شخصية تتجاوز كونها زعيم طائفة أو وريث بيت سياسي عريق. إنه ابن كمال جنبلاط، المفكر والسياسي ذي الأفكار التي تجاوزت الحدود الجغرافية والطائفية، وابن نظيرة جنبلاط، التي أدركت مبكرًا أن حماية البيت الجنبلاطي تكمن في فهم التحولات والاستعداد للمستقبل. نشأ وليد جنبلاط في قلب تاريخ لبناني مضطرب، وتولى قيادة الحزب التقدمي الاشتراكي في مرحلة معقدة، ليصبح شاهدًا وصانعًا ومتأثرًا بالتحولات الكبرى التي عصفت بلبنان والمنطقة. لم تكن مسيرته مجرد مسار سياسي تقليدي، بل تجربة في قراءة موازين القوى، وتقدير اتجاهات التغيير، والانتقال من موقع إلى آخر عند الضرورة. عرف كيف ينتقل من المواجهة إلى الحوار، ومن التشدد إلى التسوية، وكيف يلتقط اللحظة التي يصبح فيها التفاهم ضرورة لحماية ما يمكن حمايته. السياسة في جوهرها ليست التمسك بالمواقف إلى الأبد، بل معرفة متى تكون المواجهة ضرورية ومتى يصبح التراجع المحسوب مدخلاً لإنقاذ الجميع. تكمن قيمة التجربة الجنبلاطية في القدرة على التواصل مع الأطراف المتناقضة، وقراءة التحولات قبل أن تتحول إلى وقائع مفروضة، والمساهمة في فتح أبواب التسويات عند بلوغ الأزمات ذروتها.
اليوم، يواجه لبنان مرحلة استراتيجية جديدة، مع تحولات متسارعة في المنطقة وتوسع الخيارات العسكرية والسياسية لإسرائيل، وتراجع الضمانات التقليدية. تقف الدولة اللبنانية أمام اختبار لمستقبل الكيان نفسه، وقدرته على الصمود، وشروط بقائه وطنًا للجميع. تتغير الخرائط، وتعيد القوى الكبرى رسم مناطق النفوذ، وترتب الحروب الأولويات والتحالفات. يجب ألا يُترك الحديث عن «لبنان الجديد» رهينة المشاريع الخارجية، بل يجب أن يتحول إلى نقاش وطني حول الدولة التي يريدها اللبنانيون، والسيادة التي يستطيعون حمايتها، والصيغة التي تضمن عدم تحول لبنان إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
هنا، يمكن لوليد جنبلاط أن يستعيد دورًا يتجاوز التمثيل النيابي والوزاري. ففي لحظات تاريخية، تصبح القدرة على التأثير أهم من الموقع السياسي، وتصبح قيمة الزعيم في شبكة علاقاته وخبرته وقدرته على مخاطبة الخصوم والحلفاء بلغة المصالح المتبادلة والمخاطر المشتركة. المطلوب ليس ابتعاد جنبلاط عن السياسة، بل توسيع مداها؛ وليس التخلي عن الحضور الحزبي، بل استثمار الإرث السياسي في مهمة وطنية أشمل، تقوم على تقريب المسافات بين اللبنانيين، وإقناع القوى المتنازعة بأن المرحلة لا تحتمل المغامرات المفتوحة، وأن حماية لبنان تقتضي مراجعة الحسابات قبل أن تفرض الوقائع أثمانًا باهظة.
تتطلب المرحلة مقاربة تقوم على دعم مؤسسات الدولة وتعزيز قدرتها على استعادة قرار الحرب والسلم، وفتح مسار سياسي جدي لاحتواء حزب الله ضمن مشروع الدولة، بالتوازي مع معالجة الهواجس الأمنية والسياسية. المسألة لا تُحل بالشعارات ولا بالإقصاء، ولا يمكن تجاوزها بتكريس ازدواجية القرار الوطني. إنها تحتاج إلى حوار واقعي، وضمانات متبادلة، وخطوات تدريجية تعيد بناء الثقة وتمنع الانزلاق إلى صدام داخلي.
تكتسب مواقف رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام أهمية في النقاش الوطني، باعتبار أن أي تسوية مستدامة لا بد أن تمر عبر المؤسسات الشرعية. لكن نجاح هذا المسار يحتاج إلى قوى سياسية تمتلك القدرة على التواصل مع بيئاتها المختلفة، وتفسير التحولات أمام جمهورها، وإقناع اللبنانيين بأن التسوية ليست استسلامًا، وأن الدولة القوية ضمانة للجميع. هنا، يستطيع وليد جنبلاط أن يؤدي دورًا يتجاوز الحسابات التقليدية. إرث البيت الجنبلاطي، بما حمله من انفتاح عربي وتواصل عابر للطوائف، يتيح له أن يكون جسرًا بين القوى اللبنانية، وأن يساهم في بناء مساحة مشتركة بين الرئاسة والحكومة والقوى السياسية والاجتماعية.
العروبة التي ارتبطت تاريخيًا بالتراث السياسي الجنبلاطي هي رؤية تقوم على أن لبنان لا يستطيع الانفصال عن محيطه العربي، وأنها تتيح له حماية استقلاله، وصون تعدديته، وبناء علاقات متوازنة مع الدول العربية. كما أن توظيف العلاقات الدولية والإقليمية في خدمة لبنان، والتواصل مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية والعربية المؤثرة، يجب أن ينطلق من هدف واضح: ممارسة الضغط الدبلوماسي والسياسي على إسرائيل لوقف الاعتداءات، واحترام سيادة لبنان.
الرهان على الخارج لا يكفي وحده، لكن تجاهل أدوات الضغط الخارجية في مواجهة اختلال كبير في موازين القوى ليس سياسة مكتملة. المطلوب هو الجمع بين وحدة الموقف الداخلي، وتفعيل الدبلوماسية اللبنانية، والاستفادة من العلاقات الدولية لزيادة كلفة استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، وفتح الطريق أمام تسوية تحمي الحدود والسيادة وتعيد الاستقرار إلى الجنوب.
الخطر الأكبر يكمن في أن ينشغل اللبنانيون بصراعاتهم الداخلية فيما تتبدل الوقائع من حولهم، وأن تتحول خلافاتهم إلى فرصة للآخرين لفرض تسويات لا يشاركون في صنعها. حين تتقدم مشاريع القوة على حساب القانون، يصبح الانقسام الداخلي نقطة ضعف استراتيجية، ويصبح الحفاظ على السلم الأهلي شرطًا لبقاء الدولة.
لا يمكن فصل هذا الخطر عن مصير القضية الفلسطينية. استمرار الحرب، ومحاولات فرض وقائع ديموغرافية وجغرافية جديدة، وتراجع فرص الحل السياسي العادل، كلها تطورات تضع المنطقة أمام احتمالات شديدة الخطورة. حماية لبنان ليست شأنًا محليًا منعزلاً، بل جزء من معادلة إقليمية تتطلب التمسك بحقوق الشعب الفلسطيني، ورفض التهجير والتصفية السياسية لقضيته، بالتوازي مع حماية لبنان من أن يدفع وحده أثمان صراعات أكبر من قدراته.
تستدعي المرحلة الراهنة من وليد جنبلاط أن يستحضر إرث كمال جنبلاط ونظيرة جنبلاط. الأسماء الكبيرة لا تُقاس بما ورثته من تاريخ، بل بما تستطيع أن تضيفه إليه حين يشتد الخطر. التجارب التي عرفت الحروب والانقسامات تكون أكثر قدرة على إدراك أن الانتصار الحقيقي ليس في كسر الخصم، بل في منع انهيار الوطن. لبنان يحتاج اليوم إلى تسويات كبرى، لا إلى مساومات صغيرة؛ إلى شجاعة الاعتراف بأن موازين القوى تغيرت، لا إلى إنكار الوقائع؛ وإلى قيادة سياسية تعرف كيف تحوّل الخوف من المستقبل إلى فرصة لإعادة بناء الدولة.
قد يكون دور وليد جنبلاط في هذه المرحلة أن يفتح أبوابًا أُغلقت، وأن يجمع أطرافًا فرّقتها الحسابات، وأن يدفع باتجاه تفاهم وطني يتيح للبنان أن يخاطب العالم من موقع الدولة، لا من موقع الساحة المستباحة. الخبرة المتراكمة، حين توضع في خدمة المصلحة الوطنية، تستطيع أن تصنع فارقًا في اللحظات المفصلية. السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم ليس عن الموقع الذي يشغله وليد جنبلاط، بل عن الدور الذي يمكن أن يؤديه. فبين إرث كمال جنبلاط، وبصيرة نظيرة جنبلاط، وتجربة وليد جنبلاط الطويلة في إدارة التحولات، ثمة فرصة للمساهمة في منع الانهيار، وصون السلم الأهلي، ودعم مسار الدولة، وفتح نافذة لتسوية تحمي لبنان من أن يصبح ضحية خرائط تُرسم فوق أرضه.
لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الأبطال في خطابات المواجهة، بقدر ما يحتاج إلى رجال يعرفون متى يتقدمون نحو التسوية لإنقاذ ما تبقى. وفي اللحظات التي يهدد فيها التوحش العسكري بتجاوز الحدود، وتتعرض فيها القضية الفلسطينية لمخاطر وجودية، يصبح الحفاظ على الكيان اللبناني مسؤولية تاريخية لا تحتمل التأجيل. وليد جنبلاط أمام امتحان التاريخ: أن يحوّل إرثه السياسي إلى جسر عبور نحو تسوية وطنية كبرى، تحفظ لبنان، وتصون عروبته، وتمنع سقوطه في الفراغ الذي يسبق إعادة رسم الخرائط.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة