جمال الغيطاني: الروائي الذي جعل من القاهرة وحكايات التاريخ نبضًا للحاضر


هذا الخبر بعنوان "جمال الغيطاني: حارس ذاكرة القاهرة الذي استنطق التاريخ" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في ذكرى رحيله، نستحضر قامة أدبية مصرية وعربية، الروائي جمال الغيطاني، الذي أبدع في نسج التاريخ ليصبح مادة حية للتأمل في واقعنا، وجعل من القاهرة ذاكرة نابضة بحكايات الإنسان وتطور الزمن. رحل الغيطاني في الثامن عشر من أكتوبر عام 2015، تاركًا إرثًا أدبيًا يتجاوز حدود الرواية ليطرح أسئلة جوهرية حول الهوية، السلطة، والحرية، وعلاقة الإنسان بماضيه.
وُلد جمال الغيطاني في التاسع من مايو عام 1945 بقرية جهينة في محافظة سوهاج، ثم انتقل مع أسرته إلى القاهرة، المدينة التي أصبحت فيما بعد محورًا أساسيًا في عالمه الأدبي. درس الغيطاني فنون صناعة السجاد الشرقي، وعمل بها قبل أن يكرس حياته للصحافة والكتابة منذ نعومة أظفاره. ربما كانت حرفة نسج السجاد، بتشابك خيوطها وتداخل ألوانها لتكوين نسيج متماسك، تشبه منهجيته الروائية في تداخل الأزمنة، الوقائع، والحكايات.
لم تكن القاهرة بالنسبة للغيطاني مجرد خلفية للأحداث، بل كائن حي يحمل طبقات تاريخية عميقة، وشوارعه وأحياؤه وعمائره تخبئ قصص أجيال مرت وغابت. كان يقرأ المدينة بعمق، يبحث في تفاصيلها عن بصمات من سكنوها، مؤمنًا بأن المكان يتجاوز الجغرافيا ليصبح ذاكرة وهوية ووجدانًا.
ساهم عمله الصحفي، بالإضافة إلى تجربته كمراسل حربي خلال حرب الاستنزاف، في تعميق رؤيته للإنسان في مواقف المواجهة، الخوف، والمصير. كما أثرت تجربة اعتقاله عام 1966 في وعيه بالعلاقة المعقدة بين الفرد والسلطة، وهي علاقة تجلت بأشكال متعددة في أعماله الروائية.
تكمن عبقرية الغيطاني في قدرته على استلهام التراث العربي والإسلامي دون الوقوع في فخ الماضي. لم يتعامل مع التاريخ كسجل جامد، بل كمساحة لإعادة اكتشاف الحاضر. استعار لغة المؤرخين القدماء وأساليبهم، لكنه أعاد صياغتها برؤية روائية معاصرة، مؤكدًا أن التراث والحداثة ليسا نقيضين، وأن العودة إلى الجذور قد تكون طريقًا للابتكار لا للتكرار.
تُعد رواية «الزيني بركات» من أبرز محطاته، حيث استعاد القاهرة في العصر المملوكي ليكشف آليات المراقبة، الخوف، والاستبداد من خلال أجواء تاريخية. لم يكتفِ بسرد الماضي، بل استخدم تعدد الأصوات وتضارب الروايات لطرح أسئلة حول الحقيقة، السلطة، وقدرة الإنسان على الحفاظ على حريته وكرامته في وجه أنظمة السيطرة. هكذا تحولت الرواية التاريخية لديه إلى مرآة للحاضر، مع الحفاظ على خصوصيتها الفنية وزمنها.
في روايته «التجليات»، غاص الغيطاني في فضاء مختلف، مزج فيه بين السيرة الذاتية والتأمل الفلسفي، والذاكرة الشخصية والموروث الصوفي. نصٌ يبحث في الذات، الزمن، والغياب، ويكشف عن وجه آخر للكاتب، لا يقتصر على التاريخ السياسي، بل يستكشف أعماق الإنسان وأسئلته الوجودية.
إذا كان نجيب محفوظ قد منح القاهرة حضورًا إنسانيًا عبر الحارة المصرية وتحولاتها، فإن الغيطاني اتجه إلى طبقاتها التاريخية والعمرانية العميقة. هذا الاختلاف لا ينتقص من قيمة أي منهما، بل يبرز ثراء الرواية المصرية وقدرتها على تقديم المدينة الواحدة من زوايا متعددة. لقد حاور الغيطاني محفوظًا من موقعه الفريد، وشق طريقه السردي الخاص، محولًا القاهرة إلى نص لا تنتهي قراءته.
لم يقتصر عطاء الغيطاني على الرواية، بل أسس عام 1993 جريدة «أخبار الأدب»، التي أصبحت منبرًا ثقافيًا هامًا في مصر والعالم العربي. كان ذلك امتدادًا لإيمانه بأن الثقافة ضرورة لحماية الوعي وفتح آفاق الحوار والإبداع.
من أعماله البارزة الأخرى «وقائع حارة الزعفراني»، «الزويل»، «متون الأهرام»، و«ملامح القاهرة في ألف عام». وقد حاز على جوائز وتكريمات عديدة، منها جائزة الدولة التقديرية في مصر عام 2007، وجائزة لور باتايون عام 2005 عن الترجمة الفرنسية لعمله «التجليات».
في ذكرى رحيله، تتجاوز أهمية جمال الغيطاني مجرد استعادة سيرة روائي كبير. لقد قدم لنا منظورًا مختلفًا للنظر إلى المدن، التراث، والتاريخ. علّمنا أن الحجر يحمل ذاكرة، وأن الحكاية قد تحفظ ما تعجز عنه الوثائق، وأن الماضي يصبح حيًا حين نقرأه بشجاعة من جديد.
رحل جمال الغيطاني، لكن القاهرة التي رسمها بأحرف من نور لم ترحل. ما زالت تسكن رواياته، وتطل من أزقتها القديمة، وتستعيد في لغته أصوات من سكنوها وتركوا بصماتهم. كان من الكتّاب الذين لا يكتفون برواية العالم، بل يمنحونه عينًا جديدة لرؤيته. وبين القاهرة التي عاشها والقاهرة التي ابتكرها أدبيًا، بقي الغيطاني شاهدًا على أن المدن العظيمة تُقاس ببقائها في ذاكرة كتّابها. وبعض الكتّاب يتركون كتبًا نعود إليها؛ أما جمال الغيطاني، فقد ترك لنا مدينة كاملة نكتشفها في كل صفحة من رواياته.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة