اليمن على أعتاب الحسم: هل تنتهي حقبة التمرد وتستعيد الدولة سيادتها؟


هذا الخبر بعنوان "اليمن عند مفترق الحسم... معركة الدولة" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢١ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
على الرغم من قتامة المشهد اليمني، يبقى الأمل في استعادة السعادة ممكناً. لن يتحقق اليمن السعيد بإخضاع مدينة أو تدمير قرية، بل عندما يتوقف السلاح عن السيطرة على القرار السياسي، ويصبح الوطن أكبر من نفوذ الميليشيات. في 19 أكتوبر 2026، يصطف اليمنيون في تعز لتعبئة أسطوانات الغاز، في مشهد يعكس واقعاً مؤلماً.
تدخل الحرب في اليمن منعطفاً جديداً، يبدو معه الأمل في الخلاص أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. لقد أنهكت سنوات الصراع والتمزق الشعب اليمني، الذي يتطلع إلى أن تكون هذه اللحظة بداية النهاية لتمرد الميليشيات المسلحة الذي صنع كابوساً طال أمده، وأن يعود بلدهم إلى مسار الحياة الطبيعية، ليصبح اليمن سعيداً مرة أخرى، بدلاً من كونه بؤرة للفوضى ومسرحاً للحروب بالوكالة.
على مدى السنوات الست الماضية، عاش اليمن حالة من الجمود القاتل؛ لم تُحسم حرب، ولم يُؤسس سلام، ولم تُبنَ ثقة. وفي هذه الفترة المعلقة، تمكنت ميليشيات الحوثي من تعزيز قدراتها العسكرية والأمنية والاستخباراتية، مستفيدة من إرث مؤسسات الدولة التي استولت عليها، ومن الدعم الإيراني المتزايد، بما في ذلك الخبرات الفنية واللوجستية والتسليحية. لقد أخطأ الكثيرون في الاستهانة بما ورثته الجماعة من ترسانة الجيش اليمني وأجهزته، وما أضافه الحرس الثوري الإيراني من خبرة وتنظيم وقدرات.
مع اتساع المواجهات أخيراً وامتداد التحركات الحوثية إلى مناطق الساحل الغربي في الحديدة وتعز، وصولاً إلى محيط باب المندب، ثم التوجه نحو قلب جبال تعز وضرب مدينة تعز التي تعاني حصاراً منذ اثني عشر عاماً، برزت مخاوف من أن يصبح اليمن مجدداً ساحة لإعادة رسم خرائط النفوذ الإقليمي، مما يهدد أمن الملاحة والتوازنات الاستراتيجية في المنطقة. فباب المندب ليس مجرد مضيق يمني، بل هو شريان دولي حيوي، وأي محاولة لاستخدامه كورقة ضغط إقليمية تتجاوز حدود اليمن لتطال العالم بأسره.
من الصعب فصل هذا المشهد عن حسابات طهران الإقليمية، التي تسعى إلى توظيف أوراق نفوذها في جبهات متعددة. فإذا كانت إيران تواجه ضغوطاً في الخليج ومضيق هرمز، فإن تصاعد التهديدات في باب المندب يفتح أمامها مجالاً آخر للمناورة. أما ادعاء الحوثيين بالتحرك بقرار يمني مستقل تماماً عن هذه الحسابات، فيظل موضع شك جدي في ظل طبيعة علاقاتهم بإيران وتشابك مصالح الطرفين.
لكن الحقيقة الأولى التي يجب ألا تضيع وسط ضجيج السرديات الإقليمية هي أن أصل المأساة اليمنية تمثل في انقلاب ميليشيات الحوثي على الدولة ومخرجات الحوار الوطني والتوافق السياسي، بدءاً من أحداث عام 2014، ثم فرض الأمر الواقع بالقوة. لقد كان ذلك انقلاباً على فكرة الدولة وعلى حق اليمنيين في تقرير مستقبلهم، قبل أن يصبح جزءاً من صراع إقليمي أوسع.
أما الحقيقة الثانية، فهي أن الحوثيين يحاولون باستمرار تقديم حربهم على اليمنيين على أنها حرب على خصوم خارجيين، وتسويق أنفسهم بصفتهم الممثل الوحيد لليمن. وتتجلى خطورة هذه السردية في ما يجري في تعز والحجرية، حيث لا تكفي الجغرافيا العسكرية وحدها لتفسير دوافع التوسع. فهذه مناطق ذات ثقل ثقافي وتعليمي واجتماعي، وارتبط تاريخها طويلاً بفكرة الجمهورية ومقاومة الحكم الكهنوتي، كما قدمت أعداداً كبيرة من أبنائها في صفوف القوات اليمنية المناهضة للحوثيين في جبهات متعددة. إن تصوير التوغل في هذه المناطق على أنه مواجهة مع السعودية لا يجيب عن السؤال الأهم: ما الذي يبرر نقل الحرب إلى قرى يمنية مأهولة، لا تمثل بذاتها جبهة حدودية مع المملكة؟
المسافة الجغرافية وحدها تكشف هشاشة هذا التبرير، (أكثر من سبعمئة كيلومتر تفصل تعز عن مناطق نشأة الحوثي في صعدة)، وفي عكس التوجه الجغرافي لحدود اليمن مع المملكة العربية السعودية، كل ذلك ينسف تبرير الميليشيا الحوثية ويدفع إلى التساؤل عما إذا كان الهدف يتجاوز الضرورات العسكرية إلى محاولة إخضاع مجتمع يرفض المشروع الحوثي، وفرض انتصار رمزي على مناطق تمثل جزءاً أصيلاً من التنوع الثقافي والاجتماعي اليمني. والأخطر أن تتحول هذه المواجهات إلى وقود لشرخ مذهبي ومجتمعي يصعب رأبه. فتعز ليست كتلة مذهبية في مواجهة أخرى، ولا يجوز اختزال اليمن بثنائية طائفية ضيقة؛ زيدية شافعية كما يريد الحوثي. إنها مدينة وريف يحملان ذاكرة وطنية وثقافية واسعة، وقد امتد أبناؤهما إلى مختلف جبهات الدفاع عن الجمهورية. واستهداف مجتمعاتها الآمنة على أساس أنها رمز مذهبي للسنة والشافعية! لا يصنع انتصاراً مستداماً، بل يزرع جراحاً ستبقى آثارها لعقود.
اليمن اليوم أمام فرصة لا ينبغي تبديدها. فالحسم الحقيقي ليس مجرد تغير في خطوط السيطرة، بل استعادة الدولة ومؤسساتها، وتوحيد القرار الوطني، وإنهاء التمرد المسلح، وفتح الطريق أمام سلام عادل يحفظ كرامة اليمنيين وحقهم في الاختلاف. لقد طال ليل اليمن، لكن الأمل لا يزال ممكناً. ولن يعود اليمن سعيداً بإخضاع مدينة أو كسر قرية، بل حين يتوقف السلاح عن مصادرة السياسة، ويصبح الوطن أوسع من الميليشيات، والدولة أقوى من مشاريع السلالة والطائفة، والمستقبل حقاً مشتركاً لجميع أبنائه.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة