لبنان
ثقافة

مملكة الهراء: كيف يحكم الغباء عالماً يظن نفسه عاقلاً؟

النهار٢١ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١١:٥٨ ص0 مشاهدة
مملكة الهراء: كيف يحكم الغباء عالماً يظن نفسه عاقلاً؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "مملكة الهراء: حين يصبح الغباء نظاماً يحكم العالم" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢١ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في عصر الخوارزميات والتضليل الإعلامي، لا تكمن المشكلة دائمًا في نقص المعلومات أو غياب الذكاء، بل في قدرة الإنسان على استخدام المعرفة لتبرير قناعاته المسبقة. هذا هو المحور الذي يتناوله كتاب "مملكة الهراء: كيف يحكم الغباء عالماً يظن نفسه عاقلاً؟" للدكتور فؤاد خريّس، والذي يحمل عنوانًا فرعيًا "من الكهف إلى الخوارزمية". يقدم الكتاب قراءة معمقة لظاهرة غريبة: كيف يقع الإنسان، فردًا وجماعة، في الخطأ ويدافع عنه، بل ويحوله أحيانًا إلى قاعدة تحكم حياته ومجتمعه؟

لا يتعامل الكتاب مع الغباء كونه مجرد نقيض للذكاء أو ضعف في القدرات العقلية، بل يوسع المفهوم ليشمل سوء الحكم، والانحيازات النفسية، والتفكير الجماعي، والتضليل، وحتى تسخير الذكاء لخدمة الأوهام. تكمن قيمة العمل في تفكيكه للظروف التي تجعل الخطأ مقنعًا ومنتشرًا، بدلاً من مجرد السخرية منه.

حبكة فكرية لا رواية تقليدية

لا يعتمد الكتاب على حبكة روائية، بل يبني حبكته الفكرية تدريجيًا، متدرجًا من عقل الفرد إلى الجماعة، ومن القرارات اليومية إلى السياسة والمؤسسات، وصولًا إلى البيئة الرقمية والذكاء الاصطناعي. يبدأ الكتاب بسؤال بسيط: لماذا يتصرف الإنسان أحيانًا بطريقة تناقض مصلحته أو تتعارض مع الحقائق المتاحة؟ ثم يتسع ليشمل أمثلة كالسياسي الذي يصر على قرار فاشل، والقائد الذي يسيء تقدير خصمه، والمستخدم الرقمي الذي يصدق ما يوافق قناعاته.

تُسقط هذه الأجوبة على الواقع لتفسير تساؤلات الكثيرين، خاصة في ظل الأوضاع الراهنة. ينتقل الكتاب من تشريح السلوك الفردي إلى مساءلة الأنظمة التي تسمح للأخطاء بالتحول إلى ممارسات عامة. فالخطأ يصبح خطيرًا حين يُحصَّن ضد النقد، ويُعاد إنتاجه داخل جماعة أو مؤسسة، ويُقدَّم كدليل على الصواب.

شخصيات الكتاب: مفكرون وأنماط بشرية

شخصيات الكتاب ليست أفرادًا خياليين، بل مفكرون ونماذج بشرية تمثل سلوكيات متكررة. يحضر كارلو تشيبولا لفهم أضرار الأفعال غير المنطقية، وهاري فرانكفورت للتمييز بين الكذب والتعامل غير المبالي بالحقيقة. يساعد دانيال كانيمان في تفسير التوتر بين التفكير السريع والبطيء، ويضيء روبرت بروكتور جانب صناعة الجهل، فيما تساهم أفكار ليون فستنغر في فهم كيفية التوفيق بين المعتقدات والواقع.

إلى جانب هذه المرجعيات، يستحضر الكتاب أنماطًا كالمستبد، والخبير الواثق بنفسه، والجماعة الصامتة عن الخطأ، والمستخدم الرقمي الذي يسلم قراره للشاشة. هذه النماذج تظهر أن الحماقة ليست حكرًا على طبقة أو مهنة أو مستوى تعليمي.

قد تمنح كثرة الأسماء والمفاهيم الكتاب ثراءً معرفيًا، لكنها قد تجعل بعض أجزائه أقرب إلى جولة موسوعية. كان يمكن لأمثلة أكثر تفصيلاً وفصل أوضح بين الشواهد والتفسيرات أن تمنح بعض الأفكار قوة إقناعية أكبر.

من وهم الفرد إلى حماقة الجماعة

من أبرز أفكار الكتاب أن الذكاء لا يضمن ضد الحماقة. فقد يُستخدم الذكاء لتبرير موقف خاطئ أو لإنتاج حجج معقدة دفاعًا عنه. تتضح هذه المشكلة حين ينتقل الخطأ من الفرد إلى الجماعة، حيث يمكن للقرارات السيئة أن تستمر بسبب كلفة الاعتراف بالفشل أو الخوف من خسارة المكانة.

يشير الكتاب إلى أن المؤسسات لا ينبغي أن تُبنى على افتراض وجود مسؤولين حكماء، بل على قواعد للمساءلة والرقابة تسمح باكتشاف الخطأ وتصحيحه. داخل المجموعات، قد تتراجع قدرة الأفراد على الاعتراض تحت ضغط الانتماء أو الخوف من العزلة، وتتوزع المسؤولية بحيث لا يشعر أحد بالمسؤولية.

يصبح الصمت جزءًا من آلية إنتاج الخطأ، حتى عندما يملك البعض المعرفة لرؤيته. لا يقتصر السؤال على كيفية اختيار أشخاص أذكياء، بل على كيفية إنشاء أنظمة تحد من أثر الثقة المفرطة، وتمنح النقد مساحة فعلية، وتسمح بتغيير القرار دون الشعور بالهزيمة.

الخوارزميات: حين تتسع المملكة

ينتقل الكتاب إلى العالم الرقمي، حيث تتضاعف سرعة تداول المعلومات. الخوارزميات لا تخلق الانحيازات من الصفر، لكنها تستطيع تضخيمها عبر تقديم محتوى يوافق المعتقدات وتعزيز غرف الصدى. تصبح التكنولوجيا جزءًا من المشكلة والحل في آن واحد؛ فالذكاء الاصطناعي قد يساهم في انتشار إجابات مضللة، لكنه يستطيع أيضًا المساعدة في اختبار الافتراضات وكشف التناقضات إذا صُمم بطريقة تشجع على التفكير النقدي.

تكمن قوة الطرح في رفضه التعامل مع التكنولوجيا كقوة مستقلة عن الإنسان. الأدوات لا تعفي المجتمع من مسؤولية الخيارات في تصميمها وتوجيهها واستخدامها. يظل هذا الجزء مفتوحًا على أسئلة تحتاج إلى مزيد من الأدلة والأمثلة العملية.

خاتمة لا تعد بعالم خالٍ من الغباء

القضاء على الحماقة مستحيل، لكن تقليص قدرتها على إلحاق الضرر ممكن. الإنسان ليس كائنًا عقلانيًا دائمًا، ولا يستطيع التخلص تمامًا من انحيازاته. كل جيل يحتاج إلى تعلم الحكمة من جديد، لأن المعرفة لا تنتقل تلقائيًا إلى السلوك.

يميز الكتاب بين الذكاء والحكمة. الذكاء هو القدرة على الفهم والتحليل، بينما تتطلب الحكمة التواضع، والانفتاح على الاعتراض، والاستعداد للاعتراف بالخطأ. لا تُقاس الحكمة بالثبات على الرأي، بل بالقدرة على مراجعته.

يطرح الكتاب ستة اتجاهات عملية: الشك في اليقين المطلق، فحص الأخبار، احترام الخصم، الاستماع للرأي المخالف، مقاومة المرايا التي تعكس قناعاتنا فقط، وتغيير الرأي دون انهيار الهوية. وهي دعوة لبناء علاقة أكثر نضجًا مع المعرفة.

يمنح الكتاب الديمقراطية والمؤسسات دورًا مهمًا في توفير آليات سلمية لتصحيح الأخطاء ومحاسبة أصحابها. المجتمع الأكثر حكمة ليس بالضرورة المجتمع الذي لا يخطئ، بل الذي لا يحوّل أخطاءه إلى حقائق محصنة ضد المراجعة.

قيمة معرفية ونقد يحتاج إلى التوازن

تنبثق قيمة "مملكة الهراء" من جمعه بين علم النفس والسلوك الاجتماعي والسياسة والإعلام والتكنولوجيا، مستفيدًا من تخصص الكاتب. يقدم مفاهيم قد تبدو أكاديمية بلغة أقرب للقارئ العام، ويمنح أدوات لفهم التضليل والانحيازات والتفكير الجماعي.

لكن التنوع الكبير في الموضوعات قد يؤدي أحيانًا إلى تعميمات تحتاج إلى مزيد من التحديد. النبرة الساخرة، على فاعليتها، قد تختزل أحيانًا ظواهر معقدة. من الضروري التمييز بين المفهوم المدعوم ببحث علمي، والمثال التوضيحي، والاستنتاج.

هذا لا ينتقص من المشروع بقدر ما يحدد طريقة قراءته: ليس كحكم نهائي، بل كمحاولة لإعادة طرح سؤال العقلانية من زاوية أقل ادعاءً وأكثر اتصالاً بتجارب الحياة اليومية.

استشراف المستقبل: الحكمة في مواجهة فائض المعرفة

في عالم تتسارع فيه أدوات الذكاء الاصطناعي وتتزايد فيه قدرة المنصات على توجيه الانتباه، قد تصبح المشكلة المقبلة هي صعوبة التمييز بين الصحيح والمضلل، وبين المعرفة والتأكيد المريح للمعتقدات. تزداد الحاجة إلى تعليم التحقق، والتربية الإعلامية، وبناء مؤسسات تقبل النقد وتصحح أخطاءها.

لا يقدم الكتاب وصفة سحرية، لكنه يضع معيارًا أساسيًا: ألا تنمو قدراتنا التقنية أسرع بكثير من قدرتنا على استخدامها بحكمة. المجتمعات التي تكافئ الثقة المفرطة وتعاقب الاعتراف بالخطأ قد تجد نفسها أكثر عرضة لتكرار إخفاقاتها.

تكمن الرسالة الأعمق لـ"مملكة الهراء" في أن الخروج منها لا يبدأ باتهام الآخرين بالغباء، بل بمراجعة الذات. الكتاب لا يستثني مؤلفه أو قارئه من قابلية الخطأ، ويجعل التواضع المعرفي شرطًا للحكمة: أن نكون أقل يقينًا، وأكثر استعدادًا للإصغاء، وأبطأ في إصدار الأحكام.

ليست الحكمة أن نثبت أننا لا نخطئ، بل أن نمتلك الشجاعة لتصحيح أخطائنا. وفي عالم يخلط بين ارتفاع الصوت وقوة الحجة، ويوفر المعلومات وعمق الفهم، ربما تكون هذه الدعوة البسيطة أكثر ما يحتاج إليه العقل المعاصر.

شارك الخبر: