لبنان
ثقافة

بتول أبو عقلين: 48 كيلوغراماً من الشعر كجسدٍ مهددٍ بالتناثر في غزة

المدن٢٢ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٩:٥٦ ص0 مشاهدة
بتول أبو عقلين: 48 كيلوغراماً من الشعر كجسدٍ مهددٍ بالتناثر في غزة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "بتول أبو عقلين: 48 كيلوغراماً من الشِّعر في غزة" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في التاسعة عشرة من عمرها، وجدت الشاعرة بتول أبو عقلين نفسها أمام سؤالٍ وجوديٍّ قاسٍ خلال الأشهر الأولى للحرب: "من سيجمع أجزاء جسدي إذا قُتلت؟". بدأت بتول رحلتها مع الشعر في طفولتها، وحصدت في الخامسة عشرة من عمرها جائزة "البرجيل" للشعر، وواصلت دراستها للأدب الإنجليزي والترجمة في غزة. مع اندلاع حرب 7 أكتوبر، شعرت بأن الكلمات تفقد قوتها أمام هول الأحداث، متسائلةً عن جدوى ما تكتبه فتاة صغيرة في غزة. لكن مقتل أستاذها، الشاعر والمترجم رفعت العرعير، في غارة إسرائيلية في ديسمبر/كانون الأول 2023، غيّر مسارها. كان العرعير قد ترك قبل وفاته قصيدته "إذا كان لا بد أن أموت"، داعياً من يبقى لرواية الحكاية. استأنفت بتول الكتابة، وكأن السؤال تحوّل إلى ما يمكن إنقاذه بالكلمات قبل أن يندثر. اليوم، تصدر دار "بنغوين" البريطانية العريقة، بالتعاون مع "تينمنت برس"، طبعة جديدة من ديوانها الأول "48 كلغم"، الذي صدر عام 2025. يحمل العنوان دلالة مزدوجة، فهو يمثل وزن جسد وهندسة كتاب في آنٍ واحد، حيث تضم كل قصيدة من القصائد الثنائية اللغة الـ 48 كيلوغراماً من كتلة الجسد، وكأن بتول أبو عقلين جعلت من الكتاب جسداً، ودعت قارئه لمشاهدة ما يحدث له.

في مقدمة الديوان، تشير بتول إلى أنها تجمع فيه الأجزاء التي عثرت عليها من نفسها، تحسباً لعدم وجود من يجمعها إذا قُتلت. هذه العبارة مفتاحٌ مباشرٌ للكتاب، فالقصيدة جزءٌ من جسدٍ مهددٍ بالتناثر، والكتابة محاولةٌ استباقيةٌ لجمعه. تبدأ عناوين القصائد بالهبوط في الوزن، ويصغر معها الخط ويبهت الحبر، حتى يصبح اختفاء الجسد جزءاً من التصميم المادي للكتاب. الرقم الذي اعتدنا قراءته في الميزان يتحول إلى مقياسٍ لتآكل الجسد على الصفحة. ورغم أن المجموعة ثنائية اللغة، إلا أن أبو عقلين لا تعتبر النص الإنجليزي نسخة مطابقة للعربي، بل وصفته بعملية إعادة خلقٍ للقصائد، حيث يحمل العربي لديها ألماً أثقل، بينما تنتمي النسخة الإنجليزية إلى ذاتٍ أحدث وأكثر ثقة.

تتجاوز قيمة ديوان "48 كلغم" فكرته التصميمية، فالشاعرة تكتب تحت ضغط تجربةٍ قادرةٍ على ابتلاع الشعر بسهولة. القصف، الموت، الجوع، الأشلاء، والبيوت المدمرة، كلها تحمل قوة واقعية تجعل نقلها إلى الصفحة مؤثراً قبل أن تبدأ مهمة الشاعر. لذا، يصبح السؤال الأصعب في قراءة الديوان هو: ماذا تضيف القصيدة إلى فداحةٍ موجودةٍ سلفاً؟ في أفضل نصوصها، تعيد بتول ترتيب الواقع حتى يصبح الشيء اليومي غريباً عن نفسه. ففي قصيدة "هكذا أطهو حزني"، يتحول الحزن إلى وصفةٍ تتضمن قلوباً، دموعاً، دماً، ورائحةً للحزن، مع قدرٍ تُدخل فيه الأشياء كما تُدخل مكونات الطعام، لينتهي المشهد بتابوتٍ صُنع من خشبٍ كان يمكن أن يصبح باباً لبيتٍ جديد. هذه الصورة الأخيرة تحمل القصيدة كلها؛ فالخشب واحد، والحرب غيّرت وظيفته، فما كان سيُفتح ليعبر منه الأحياء أصبح صندوقاً يغلق على ميت. البيت والتابوت مصنوعان من المادة نفسها، والمسافة بينهما هي المسافة التي قطعتها الحياة الفلسطينية في الحرب. هنا، تتجاوز القصيدة مجرد الشهادة، فالخبر يستطيع أن يقول إن بيتاً هُدم أو شخصاً قُتل؛ أما الشعر فيجعل الباب نفسه ينتقل من هندسة الحياة إلى هندسة الموت.

في قصيدة "وقف ... "، تبدو الشاعرة بتول أكثر اقتصاداً، حيث يبني النص نفسه على كلمةٍ يسمعها الناس قبل اكتمال الجملة. يلتقطون كلمة "وقف..."، فتزغرد الأم، ويبتسم الأب، ويرقص الأطفال، ويتعانق النازحون، متخيلين تتمةً لم يقلها المذيع بعد: "وقف الحرب". لكن الجملة تكتمل: "وقف المفاوضات". وتستمر الحرب. لا تحتاج القصيدة هنا إلى استعارةٍ كبيرة، فالنحو نفسه يؤدي المهمة. والمسافة بين "وقف الحرب" و"وقف المفاوضات" كلمةٌ واحدة، لكنها تمثل المسافة بين عالمين. ويكفي تأخير الكلمة التي تكمل العبارة حتى تمنح الشاعرة شخصياتها لحظاتٍ قليلةٍ من حياةٍ متخيلة، ثم تنتزعها منها. يتكرر هذا الانقلاب في الديوان حين يصير الباب تابوتاً، والجملة التي توحي بوقف الموت تعلن استمرار شروطه، والجسد الذي يفترض أن يكون صاحب القصيدة يتحول إلى وحداتٍ تقيس اختفاءه. ومن هنا يمكن فهم الحضور الكثيف للأعضاء والأجساد في "48 كلغم"، إذ أن الجسد مهددٌ بأن يفقد وحدته، والقصيدة تحاول إعادة تركيبه باللغة.

هذه المنطقة تكشف أيضاً أحد مخاطر الكتاب، وذلك حين يتكرر الموت حتى يصنع معجمه الخاص؛ فثمة دم، جثث، أشلاء، قبور، توابيت، وأعضاء مقطعة. وتنتظر إحدى القصائد الموت كما تنتظر الأم مولودها، وتتخيل أخرى جسداً مقسماً في أكياس لا يعرف المسعف أيها يحتوي لحم صاحبه. ويصعب فصل أثر هذه الصور عن الواقع الذي جاءت منه، فاليد المقطوعة، والجسد الممزق، والطفل المقتول تحمل شحنتها العاطفية قبل دخول القصيدة. وحين تتكرر الصدمة، يواجه الشعر سؤالاً إضافياً: كيف تحتفظ الصورة المروعة بقدرتها على الإدهاش حين يصبح المروّع مألوفاً؟ تنجح الشاعرة أبو عقلين أكثر حين لا تعتمد على هول المشهد وحده. في قصيدة "وقف..."، يأتي الأثر من بناءٍ لغويٍّ صغير، وفي الباب الذي صار تابوتاً، تنشأ الفجيعة من تحول وظيفة الشيء. وفي مواضع أخرى، يبدو أن الواقع يحمل القصيدة أكثر مما تحمل القصيدة الواقع، وذلك أحد أخطار شعر الشهادة، وهو أن تصبح فداحة ما حدث ضمانةً مسبقةً لقوة النص. ربما لهذا تبدو تجربة أبو عقلين مثيرةً نقدياً وهي ما زالت في بدايتها؛ فبعض قصائدها يجد الشكل القادر على تحويل الحدث، وبعضها يبقى قريباً من الجرح الذي ولده.

بعد صدور ديوان "48 كاغم"، أخذت الحكاية منعطفاً يعيد قراءة عنوان الكتاب كله. ففي أغسطس/آب 2025، كانت بتول ما زالت في غزة حين كتبت نصاً نثرياً بعنوان "الجوع يطاردني". قالت إنها فكرت في الطرق التي يمكن أن تموت بها: رصاصة، صاروخ، قنبلة، طائرة مسيرة. وتخيلت أين يمكن أن تقع اللحظة الأخيرة وكيف قد يضيع لحمها، ولذلك جمعت جسدها في الشعر. لكن احتمالاً لم يخطر لها وهو أن يبدأ جسدها بالانكماش كيلوغراماً بعد كيلوغرام. وصار البنطال أوسع، وبرزت عظام الوجه، وصغر محيط الذراع، وبدأ الشعر يتساقط. وما كان في "48 كلغم" بناءً شعرياً، صار واقعةً جسدية، والجسد الذي وزعته بتول مجازياً على 48 قصيدة، بدأ الجوع يأخذ منه الوزن فعلاً. تصف الشاعرة في النص كيف أصبح التفكير في الطعام هاجساً، حتى وصل اليوم إلى وجبةٍ واحدة. وقد حذفت من هاتفها الصور التي تذكرها بالطعام، وتجنبت حسابات وصفات الطبخ، وطلبت من أصدقائها في الخارج أن يأكلوا الأشياء التي تتمنى أكلها. الجوع هنا يغير علاقة الإنسان بالعالم، والذاكرة، والصورة، وحتى ثقته في وجود الوجبة التالية. ثم خرجت بتول من غزة.

في باريس، أمام مطعمٍ كبير في فبراير/شباط 2026، عادت الشاعرة إلى النص نفسه. وكان يفترض أن تكون المدينة الجديدة إعلاناً لانتهاء المجاعة، لكن وفرة الطعام أصبحت أول ما يلفت نظرها. ترى الجوع على رفوف المتاجر، وتشتري أشياء تعرف أنها لن تأكلها، وتطبخ لنفسها محاولةً إقناع جسدها بأنه أصبح آمناً. وتخاف من أمرين متناقضين: أن يزيد وزنها وأن ينقص. خرج الجسد من مكان الجوع، لكن الجوع لم يخرج من الجسد. وتحولت المجاعة من واقعةٍ يوميةٍ إلى ذاكرةٍ جسدية، ومن نقصٍ في الطعام إلى خللٍ في الثقة بالعالم. لهذا تبدو إعادة إصدار "48 كاغم" اليوم مختلفةً عن صدوره الأول. وحين اختارت بتول الوزن عنواناً لكتابها، كان الجسد المهدد بالتناثر مركز الاستعارة. وبعد ذلك، مرّ الجسد نفسه بالجوع، وانتقل إلى مدينةٍ أخرى حاملاً ذاكرة ما فقده. وتتجاوز قراءة الديوان هنا الحكاية المؤثرة لشاعرةٍ شابةٍ خرجت من غزة. فقيمة أبو عقلين تظهر حين تمنح التجربة شكلاً لا تملكه خارج القصيدة: وصفةٌ للحزن، وبابٌ يصير تابوتاً، وكلمةٌ ناقصةٌ تمنح الناس هدنةً لا تستمر سوى ثوانٍ، وكتابٌ يقيس نفسه بوزن جسد صاحبته. وحين تعتمد القصيدة على هول الموت وحده، يكاد الواقع ينتصر على الشعر؛ فما حدث أشد فظاعةً من أن يحتاج مجازاً. إن ديوان "48 كلغم" لا يقدم صوتاً مكتملاً، بقدر ما يسجل لحظة تشكله تحت ضغطٍ استثنائي. وتتعلم شاعرةٌ في بدايتها كيف تحول ما يحدث لها إلى لغة، فيما يتغير جسدها، وبيتها، ومدينتها، وعلاقتها بالعالم. لقد خرجت بتول من غزة، لكن جسد "48 كلغم" خرج معها. وفي باريس، أمام رفوف الطعام الممتلئة، ما زالت تخاف أن ينقص وزنها، وتخاف أن يزيد. كأن الجوع، بعدما انتهى بوصفه واقعةً يومية، استقر في الجسد كذاكرة. وفي أفضل قصائدها، تحاول أبو عقلين جمع ما يتساقط من الإنسان قبل أن يختفي. وفي العمق، فإن ثمانية وأربعين كيلوغراماً لا تريد أن تتحول إلى رقم.

شارك الخبر: