كرامة الأهليّات والحزبيّات: بين الوعد والواقع المرير في لبنان


هذا الخبر بعنوان "كرامة الحزبيّات وذلّ أهلها" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٣ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بعد أن عزّت التسويات السياسية الطائفية وخابت الوفاقيات الأهلية، وبعد رحلة طويلة من الجدل والنقاش، تتراجع حسابات المسؤولية العامة لتقتصر على حسابات المسؤولية الشخصية. وعندما تصير الخيبة عمومية، تصبح التسوية مع "النفس" ضرورة حياتية. في هذا السياق، تعادل التسوية المنشودة مضمون الخلاصة، وهي الموقف شبه الختامي الذي ينشد الوضوح اللازم، بعيداً عن الأوصاف العجولة التي تنعت المخالف بالتخاذل أو اللامبدئية.
إن الكتابة من موقع "معاكس" كان هدفها مخاطبة المصلحة الوطنية العمومية، في لحظة معينة، وبواسطة نص محدد هو ابن اللحظة ووليد ظروفها. ركوب مركب "العمومية" أساسه فكرة "أننا محكومون بالعيش المشترك"، وتحقيق تعديل شروط "المشترك" وصيانة ثباته، وإدامة انفتاحه وتفتّحه، في سياق المتغيرات المتسارعة. ما تقدّم لا تحيط به مقالة واحدة، لكن استجابة لحاضر الأيام وما يحف به من أخطار مصيرية، من المناسب اختيار عنوان: كرامة الأهليّات والحزبيّات وذل أهلها. معلوم أن كلمة الكرامة تحيل إلى أخلاقية ما، وهذا أمر طبيعي الآن في لبنان، حيث يتخم القول الرائج بمفردات العزّة والكرامة والاستقلالية والسيادة والصمود والتصدي، في مقابل مفردات "ذليلة".
من خارج كل ذلك، يحضر السؤال العام حول النتائج التي وصلت إليها سلسلة الحروب اللبنانية، على صعيد أهلي داخلي، وفي مواجهة العدوان على الحدود، ومواجهة الحلفاء داخل الجغرافيا الوطنية العامة. سؤال ماذا "أنتجت" الحروب، مفتوح مباشرة على سؤال استباقي مستقبلي: ماذا ستنتج الحروب التي يبدو أنها ما زالت تراود مخيّلة اللبنانيين؟ كخلاصة، ما بدا الآن، وما يجب اعتماده دائماً، هو أن لا عنوان مقدساً عندما يتعلق الأمر بمخاطبة المصلحة العمومية الشعبية أو الأهلية. ومما يجب رسوخه في الذهن هو أن الشعب فقط "مقدس" والوطن فقط "مقدس"، وكل ما يخالف ذلك يقع موقع "الرجْس" السياسي والتعاقدي والميثاقي، ويلحق الضرر البالغ بميثاق التعايش المقبول.
على هذه الجادّة، جادّة المخاطبة العامة، ماذا كان موقف الأهليّات عندما دخلت في اشتباكاتها المتكرّرة؟ ببساطة، لقد غادرت كل أهليّة إلى "دروبها" الخاصة، وأُخليت جادّة التلاقي. كان للمغادرة محطاتها؛ ففي العام 1975، بعد تراكم انفجاري مديد، خيضت الحرب الأهلية تحت مظلّة الكرامة والأصالة اللبنانية والحرية، في مواجهة محاولة إصلاح النظام السياسي. فكانت الحصيلة "انتفاخ" الحزبيّات الأهلية، وضمور حضور "الأهل". وخيضت حروب على الحدود، كان للعامل الخارجي وزن ثقيل فيها، وللداخل وزن أساسي في استدعاء عدوانيتها. فكان أن ذُلَّ الأهل باحتلال العدو، وبهيمنة "الصديق". ولم يُعدمِ المشهد احتفاءً من قبل "انتفاخ" حزبيّات قرأت في التداعيات المذلّة استعادة "عزّة وكرامة" كانت قد ضاعت. كي لا يكون "السوادُ" لوناً لبنانياً فارقاً، شهد "اللبنانيون" مرحلة عزّة يتيمة، توّجَتْ بطرد الاحتلال الإسرائيلي من البلد سنة 2000، فكانت بمثابة تكفيرٍ "حزبيّاتي" عن ذنوب إلحاق الإذلال المتكرر بعيش اللبنانيين. فرح اللبنانيون سنة 2000، لكن الفرح كان لحظة تاريخية عابرة، عادت الأهليّات بعدها إلى متابعة سير القهقرى، وصولاً إلى ما هو عليه الوضع اللبناني اليوم، من قلق ومن اضطراب ومن... إذلال.
حرصاً على انسجام مطلع النصّ مع متنه، تتكرر حالياً مفردات الأخلاق في معرض السياسة، فتستعاد العزّة والكرامة والتضحية، في مواجهة الانبطاح والخضوع والاستسلام. القول الذي فقد صلاحيته منذ عقود، وما يتردَّد في هذا السياق، يخاطب في الحاضر بيئة شيعية تمارس الانتظار، وتبدو "بلا رأي" حيال "شيعيتها" السياسية. التكرار ذاته الذي فقد صلاحيته هو ذاك الذي ما زال "شامخاً" كالأرز. لقد سقطت "المقولات" المتبادلة الموزّعة على استقلال والتحاق، وتبيّن كل ذي بصرٍ أو بصيرة، أن الاستعانة بالخارج والالتحاق به، ما زال "عادة" سياسية ثابتة. ماذا يفعل الواقف على رصيف المراقبة؟ هذا المشار إليه لا مفرّ له من رفض سياسة من يجرّه إلى مصير مظلمٍ كفرد، ولا نجاة له إن لم يدعُ إلى رفض خيارات قاتلة تُنسبُ إلى صموده، لأن واقع الحال أن مرور الخيارات الصاخبة، لا يتحقق إلاّ في سياق إحجام الحناجر الصامتة. بعد حرب انفجرت سنة 2023، في صيغة إسناد "قومي"، وحرب انفجرت سنة 2025، في صيغة إسنادٍ إقليمي، لا يجد الفرد أمامه إلاّ "فضيلة" الصمت، ولا تجد الأكثرية المتذمّرة أمامها، إلاّ "فضيلة" الصبر أو التأقلم. ويجد الجميع، فرادى ومجموعات، أنفسهم أمام خيار واضح: النزوح، لمن نجا من المقتلة، والهجرة لمن استطاع إلى ذلك سبيلاً. أما من طريق آخر لانتزاع الخيار من كل محتكر للقرار باسم المجموع؟ وكيف يحاصر الانفراد، فلا يجد صاحبه أمامه إلا خيار النزول على خيار الأكثرية؟ أكثرية نحن؟ نعم، شرط أن تطلق الحناجر صرخاتها.
سياسة
سياسة
سياسة
اقتصاد