لبنان
سياسة

من قصة أطفال إلى سؤال فلسفي: هل الإنسان ذئب أم ملاك؟

المدن٢٣ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٩:١٢ م0 مشاهدة
من قصة أطفال إلى سؤال فلسفي: هل الإنسان ذئب أم ملاك؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "حين نربّي الذئب" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٣ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

بدأت القصة بنزهة عائلية إلى ضفاف نهر، حيث احتاج أحد الأطفال لجمع أوراق شجر يابسة لمشروع مدرسي. هناك، التقى بمجموعة من الأطفال الآخرين، وسرعان ما انضموا إليهم لتشكيل مجموعة متجانسة. اللافت في هذا اللقاء هو طبيعة العلاقة التي نشأت بين الأطفال، فهي خالية من الرسميات والبروتوكولات التي تميز علاقات الكبار. فالأطفال يندمجون ويتعاونون بشكل طبيعي، حيث ساعد الجميع في جمع الأوراق. لاحظ أحد الأطفال أن رفاقهم الجدد يرتدون ملابس ممزقة وأحذية قديمة، وعندما سأل والده عن السبب، قرر الأطفال مساعدتهم بجمع بعض الأغراض لهم. لم يكن فعل العطاء هو الأمر اللافت، بل التحضير له والحماس الذي صاحب اختيار الأغراض وانتظار اللقاء.

هذه القصة دفعت الكاتب وصديقه إلى التساؤل العميق حول الطبيعة البشرية: هل الإنسان أناني بطبعه ويميل إلى المنافسة، أم أنه متعاون ويتسم بالتعاطف؟ يرى الكاتبان ديفيد غريبر ودايفد وينغرو أن طرح السؤال بهذه الثنائية (الخير والشر) هو المشكلة بحد ذاتها. فهما يرفضان النظريتين السائدتين: نظرية توماس هوبز التي ترى الإنسان ذئبًا لأخيه الإنسان، ونظرية جان جاك روسو التي ترى الإنسان طيبًا بطبعه يفسده المجتمع. ويرى غريبر ووينغرو أن هاتين النظريتين لهما تداعيات سياسية خطيرة، فالأولى تبرر السلطة القمعية، والثانية تجعل اللامساواة ثمنًا للحضارة. كما أنهما ينتقدان السرديات الكبرى التي تختزل البشر إلى قوالب نمطية وتبسط القضايا.

من هذا المنطلق، فإن قصة الأطفال لا تثبت أن الإنسان خيّر أو شرير بطبعه، بل تؤكد أن التعاون والعطاء هما إمكانيتان بشريتان، تمامًا كالأنانية والمنافسة. السؤال الأهم يصبح: أي نوع من البشر تُكافئه المؤسسات والأفكار التي نبنيها؟ بمعنى آخر، ما هي السلوكيات التي تُشجّع وتُحتذى؟ ينتقل النقاش هنا من الفلسفة إلى السياسة، حيث أن النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي لا يعكس الطبيعة البشرية فحسب، بل يساهم في إنتاج السلوك الذي يفترضه. فعندما نبني نظامًا على افتراض أن الإنسان ذئب، فإننا نخلق هذا الذئب وندربه.

في لبنان، تتجلى هذه العلاقة بين النظام والسلوك في ظاهرة المحاصصة، حيث يفترض كل طرف أن الآخر سيحصل على حصته، مما يحتم عليه فعل الشيء نفسه لتجنب الخسارة. يتحول النقاش من الحقوق إلى القدرة على الحصول على حصة من الموارد العامة. وعندما تستغل فئة الدولة ومواردها لمصلحتها، فإن الفئات الأخرى تبدو ساذجة إذا لم تفعل المثل. هكذا، تصبح الزبائنية والفساد سلوكًا عقلانيًا داخل النظام، وليس مجرد انحراف عنه. ولا يقتصر هذا المنطق على العلاقات بين الجماعات، بل يتسرب إلى داخلها، حيث يتساءل الفرد: إذا اعتدى الآخر على الملك العام، فلماذا لا أفعل أنا ذلك؟ وإذا استخدم الآخر الواسطة، فلماذا أنتظر حقي؟

بهذه الطريقة، يتحول المجتمع من البحث عن بناء الدولة إلى البحث عن

شارك الخبر: