إعادة فتح معبر نصيب: هل تعني استعادة السيادة السورية؟


هذا الخبر بعنوان "فتح المعبر لا يستعيد السيادة السورية" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٩ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم تكن الأحداث الأخيرة في جنوب سوريا مجرد ضربة جوية أردنية أدت إلى إغلاق مؤقت لمعبر نصيب ثم إعادة فتحه. بل إن هذه الحادثة تضع الدولة السورية الجديدة أمام تحدٍ جوهري لم تتمكن سنوات الحرب من حسمه: ما هو مفهوم السيادة لدولة، إذا كانت دولة مجاورة قادرة على تحديد متى يصبح الخطر الداخلي مبرراً لاستخدام القوة، بينما يبقى السكان المحليون في انتظار مصيرهم؟
في 26 تشرين الأول، نفذت الأردن ضربات جوية في درعا والسويداء، زاعمة أنها استهدفت مسلحين مرتبطين بهجوم على كنيسة في الكرك. في المقابل، أكدت السلطات السورية أن الضربات تمت دون تنسيق مسبق وأسفرت عن مقتل سبعة مدنيين، بينهم أطفال. وبعد إغلاق المعبر، اتفق البلدان على تشكيل لجنة أمنية للتحقيق وتطوير التنسيق، قبل إعادة فتح المعبر في 28 تشرين الأول.
لا ينبغي النظر إلى هذه الحادثة من منظور المفاضلة بين حق الأردن في أمنه وحق سوريا في سيادتها، فكلاهما حق مشروع. لكن المشكلة تكمن في استخدام أحدهما لتبرير تجاوز الآخر. إذا كانت عمان تمتلك معلومات عن تهديدات تنطلق من الأراضي السورية، فإن ذلك يضع دمشق أمام مسؤولية التعامل معها، ولكنه لا يمنح الحدود صفة المنطقة المفتوحة للعمليات العسكرية، ولا يجعل سقوط المدنيين تفصيلاً يمكن تجاوزه بعبارات الأسف أو بتشكيل لجان لاحقة.
المفارقة أن هذا السيناريو ليس بجديد. ففي أيار 2023، نفذت الأردن ضربات داخل سوريا استهدفت مواقع مرتبطة بتهريب المخدرات، مما أدى إلى مقتل مرعي الرمثان وعائلته في قرية الشعاب بالسويداء. وتكررت هذه الضربات في كانون الأول 2023 وكانون الثاني 2024، وسط تقارير حقوقية عن سقوط مدنيين. في تلك الفترة، كان نظام بشار الأسد لا يزال في السلطة، وكان الأردن يتعامل مع جنوب سوريا كمصدر لتهديدات أمنية، في ظل ضعف قدرة دمشق على ضبط الحدود وشبكات التهريب.
بعد سقوط الأسد في كانون الأول 2024، كان من المتوقع حدوث تغيير في طبيعة العلاقة، خاصة مع سعي السلطات الجديدة إلى إعادة بناء العلاقات الإقليمية وتعزيز التعاون الأمني. لكن تحليل منظمة ACLED المنشور في 27 تشرين الأول 2026 يشير إلى أن الأردن نفذ 19 ضربة داخل سوريا منذ سقوط النظام، تركزت في السويداء ثم امتدت إلى درعا. ويرى التحليل أن اتساع نطاق العمليات وسقوط المدنيين يهددان التعاون الأمني المبني بين البلدين خلال العامين الماضيين.
هذه الوقائع تشير إلى ما هو أبعد من أداء الحكومة السورية الحالية أو سلوك الأردن؛ فتغيير السلطة لا يعني بالضرورة استعادة الدولة. الدولة ليست مجرد حكومة تستقبل الوفود وتوقع الاتفاقيات، بل هي مؤسسات قادرة على فرض قواعد واضحة، وحماية السكان، وجعل التعامل مع التهديدات الأمنية خاضعاً للمساءلة. لا يعني ذلك أن دمشق عاجزة عن منع التهديدات أو أن تتجاهل وجود جماعات مسلحة. لكن هناك فرقاً جوهرياً بين الاعتراف بالصعوبات والتسليم بأن العمليات العسكرية الخارجية تصبح أمراً اعتيادياً.
إذا كانت الدولة السورية عاجزة عن منع التهديدات، فعليها أن تشرح لمواطنيها بشفافية ما تفعله لمعالجتها، وأن تطالب بتحقيق جدي عند سقوط مدنيين. إن إنهاء كل أزمة بإغلاق معبر ثم إعادة فتحه، مع بقاء الأسئلة المتعلقة بالضحايا والمسؤولية معلقة، لا يبني سيادة مستقرة.
ما يثير القلق أيضاً هو انقسام النقاش مجدداً وفق الاصطفافات السورية الداخلية، بحيث يصبح الموقف من الضربات مرتبطاً بالموقف من السلطة في دمشق أو الجماعات في الجنوب، أكثر من ارتباطه بالحق في مساءلة أي طرف يتسبب في مقتل المدنيين. ورغم تباين المواقف السابقة حول الضربات الأردنية، لا يصح اختزال السوريين في رأي واحد، ولا اعتبار كل معترض على التهديدات الأمنية مؤيداً لقتل المدنيين. في المقابل، لا ينبغي أن تتحول الخصومة السياسية إلى سبب لتجاهل معاناة السكان.
ليس مطلوباً من السوريين الاختيار بين حماية بلادهم من الجماعات المسلحة وبين الاعتراض على القصف الذي يطال المدنيين. هذا الاختيار هو الفخ الذي يجب رفضه. فحق الناس في الأمن لا يتجزأ، ومكافحة الإرهاب لا تعفي أي طرف من تقديم ما يثبت أهدافه، والتحقيق في سقوط المدنيين، وتحمل المسؤولية.
قد تنجح اللجنة السورية الأردنية في منع تكرار ما حدث، وقد تعيد العلاقات التجارية والأمنية إلى مسارها. لكن نجاحها الحقيقي لن يُقاس بعدد الاجتماعات أو بسرعة عبور الشاحنات، بل بما إذا كانت ستضع قواعد تمنع تكرار الضربات غير المنسقة، وتضمن التحقيق في سقوط المدنيين، وتحدد مسؤوليات الطرفين بوضوح. الاختبار الحقيقي للدولة السورية الجديدة ليس بقدرتها على إعلان رفض انتهاك سيادتها، بل بقدرتها على تحويل هذا الرفض إلى قواعد تحمي الأرض والناس معاً. فالمعبر الذي يُفتح بعد إغلاقه قد يعيد حركة التجارة، لكنه لا يعيد وحده معنى الدولة. والسيادة التي لا يشعر بها السكان حين يكونون تحت القصف ستظل وعداً سياسياً لم يتحول بعد إلى واقع.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة