لبنان
سياسة

نتنياهو: بين التعادل السياسي والرهان الدولي على مستقبل إسرائيل

النهار٣٠ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٢:٣٦ ص0 مشاهدة
نتنياهو: بين التعادل السياسي والرهان الدولي على مستقبل إسرائيل

تنويه

هذا الخبر بعنوان "نظرة في عقل نتنياهو" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣٠ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لم يسقط بنيامين نتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، لكنه لم يحقق نصراً حاسماً أيضاً. وقد أدرك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ذلك حتى قبل إعلان النتائج النهائية، معتبراً أن مجرد التعادل يمثل نصراً له ولنتنياهو، خاصة بعدما كانت التوقعات تشير إلى احتمال خسارته. لم تكن هذه الانتخابات مجرد حدث محلي، فالانتخابات في الدول المؤثرة عالمياً تتجاوز تداعياتها الحدود المحلية لتؤثر على الساحة الدولية. الانتخابات الأمريكية والإسرائيلية والروسية، بالإضافة إلى الانتخابات في فرنسا وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا وتركيا والبرازيل، تحمل طابعاً عالمياً يتجاوز التأثير المحلي. في عصر العولمة وتشابك المصالح والأزمات، لم تعد التغيرات السياسية في بلد مؤثر حدثاً محلياً فحسب، لا سيما عندما يتعلق الأمر بإسرائيل التي شكل وجودها منذ عام 1948 تاريخ منطقة الشرق الأوسط وتداخلها مع الأزمات الدولية وطرق النفط والتجارة العالمية. لذلك، شغلت الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة المنطقة والعالم. بل إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كسر الأعراف المعتادة ووجه دعوات متكررة للإسرائيليين لانتخاب صديقه وشريكه في الحرب ضد إيران، رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. لقد عمل ترامب بكل قوته لإنقاذ نتنياهو، في محاولة لحماية شخص على وشك السقوط. ترامب معروف بمراهناته، فهو يخسر ويربح في أمريكا الجنوبية والوسطى وفي كل أنحاء العالم، يصمت عند الخسارة ويتباهى عند الربح. ويعتبر نتنياهو بالنسبة له فرس رهان يعتقد أنه يسيطر على زمامه، وينسب تصدره السباق الانتخابي إلى نفسه. لم يسقط نتنياهو، لكنه لم ينجح، وقد أدرك ترامب ذلك قبل صدور النتائج النهائية، معتبراً التعادل نصراً له ولنتنياهو. ربما بالغ ترامب في تقدير أهمية دعمه لشريكه، وعليه الآن بذل جهد أكبر لمساعدته ومساعدة إسرائيل على تجاوز أزمة تشكيل الحكومة الجديدة. لكن الواقع هو أن نتنياهو ليس مجرد شخصية سياسية أمريكية تحتاج إلى رعاية. إنه ليس رئيس وزراء إسرائيلي عادي مثل إيهود باراك، اسحاق شامير، يائير لابيد، نفتالي بينيت، إيهود أولمرت، أو حتى إسحاق رابين أو غولدا مائير. يمثل نتنياهو الجيل الثاني من المستوطنين المتطرفين. والده، يهودي أمريكي من أصل بولندي، كان مؤرخاً متأثراً بزئيف جابوتنسكي، منظر التطرف الصهيوني ومؤسس فكر الليكود، وخاصة تفكير نتنياهو. نتنياهو، ابن الفكر الصهيوني المتطرف، هو أيضاً ابن الثقافة الأمريكية ومدارسها السياسية ودهاليزها الإعلامية، حيث درس وعمل في أمريكا قبل عودته إلى إسرائيل كموظف ثم عضو في الكنيست عام 1988، ليصبح رئيساً للوزراء عام 1996 على أنقاض اتفاق أوسلو الذي وقع عام 1993، والذي استمر في تقويضه حتى أفرغه من محتواه. يعرف العالم أن نتنياهو مجرم حرب ارتكب جرائم إبادة في غزة، أدانتها محكمة العدل الدولية ومحكمة الجنايات الدولية. ويعرف الإسرائيليون أنه فاسد يواجه قضايا فساد عديدة، حاول ترامب مساعدته في الخروج منها دون نجاح، ولا يزال القضاء يلاحقه. لولا بقائه في منصبه، لربما كان في السجن الآن. نتنياهو رجل عقد لا رجل حلول، يؤمن بأن القوة هي السبيل الوحيد لفرض رؤيته التوراتية التوسعية. يناور في السياسة لكنه لا يؤمن كثيراً بالدبلوماسية إلا إذا كانت استثماراً للحروب، حيث يرى أن الدبلوماسية تأتي بعد الحرب لا قبلها. لقد أحبط اتفاقات أوسلو مع الفلسطينيين، وزاد من حدة العداء مع محيطه، ومارس أقصى أشكال العدوان على فلسطين وسوريا ولبنان، معتقداً أن هذا هو السبيل الوحيد لتحقيق الحلم التاريخي وضمان أمن إسرائيل. يتبنى عقيدة متشددة تؤمن بالعنف الأقصى الذي يصل إلى حد الإبادة. يتملكه خوف من طغيان العنصر العربي في فلسطين مستقبلاً. لا يثق بأحد ويعتقد أن إسرائيل تعيش تحت تهديد دائم من العرب والمسلمين، ولا خيار لها سوى العسكرة وشن الحروب الوقائية. لا يزال من المبكر إصدار حكم نهائي عليه، فكل الحروب التي انخرط فيها ضد الفلسطينيين وإيران وسوريا ولبنان لم تصل إلى نتائج نهائية ولم تضمن أمن إسرائيل. هو سياسي عنيد يتقن استخدام الدعاية، وقد نجح في ذلك داخلياً بقيادة المجتمع الإسرائيلي نحو التطرف. لكنه لم يستطع منع التحول في الرأي العام الدولي وفرض عزلة سياسية وأخلاقية على إسرائيل بسبب الوحشية المفرطة التي تعاملت بها مع الفلسطينيين في غزة ثم في الضفة الغربية. يريد العالم رؤية سلام في المنطقة، وبات يدرك أن نتنياهو هو العقبة الحقيقية أمام هذا السلام. لم يترك نتنياهو أي فرصة للسلام مع الفلسطينيين، وقضى على الوسطية في إسرائيل تماماً. سواء عاد رئيساً للحكومة أم لم يعد، لن يحدث تغيير في العقيدة التي تحكم في تل أبيب، فإسرائيل اليوم كلها يمين متطرف.

شارك الخبر: