انهيار الجنيه السوداني: من 600 إلى 10 آلاف للدولار، كيف أعادت الحرب تشكيل الاقتصاد؟


هذا الخبر بعنوان "من 600 إلى 10 آلاف جنيه للدولار... كيف أعادت الحرب رسم اقتصاد السودان؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣٠ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تُظهر الخسائر الفادحة التي مُني بها الجنيه السوداني، ووصوله إلى ما يقارب 10 آلاف جنيه للدولار في السوق الموازية، التداعيات المدمرة للحرب على الاقتصاد والأسواق والقوة الشرائية. يأتي هذا الانهيار في ظل تراجع مصادر النقد الأجنبي، وارتفاع الأسعار، وتفاقم الأعباء المعيشية للمواطنين.
لم يعد تدهور قيمة الجنيه السوداني مجرد اضطراب عابر في سوق الصرف، بل أصبح انعكاساً لأزمة اقتصادية ومعيشية عميقة اتسعت رقعتها منذ اندلاع الحرب في نيسان (أبريل) 2023. فمن حوالي 600 جنيه للدولار قبل الحرب، قفز السعر إلى ما يقارب 10 آلاف جنيه في السوق الموازية، مما يعني فقدان العملة المحلية لجزء كبير من قيمتها. يتزامن هذا مع تعطل النشاط الإنتاجي، وتراجع مصادر النقد الأجنبي، وارتفاع تكاليف المعيشة، في اقتصاد يواجه ضغوطاً متزايدة على الأسواق، والواردات، والأمن الغذائي.
ماذا حدث للعملة السودانية؟
في ظل هذه الضغوط المتصاعدة، يتراوح سعر الدولار في السوق الموازية حالياً بين حوالي 9,800 و10,350 جنيهاً. في المقابل، تبلغ أسعار الشراء في بعض المصارف الرسمية حوالي 4,500 جنيه، بينما تصل أسعار البيع إلى 4,533 جنيهاً، وفقاً للأسعار المعلنة من بنك أم درمان الوطني وبنك الجزيرة السوداني الأردني. وتزيد من هذه الضغوطات الخطوات الأخيرة التي اتخذتها هيئة الجمارك السودانية برفع سعر الدولار الجمركي من 4,346.65 إلى 5,631.76 جنيه، بزيادة بلغت 29.6%. هذا الارتفاع يهدد بزيادة تكلفة الواردات وانتقال جزء من هذه الأعباء إلى المستهلكين.
الحرب تعيد تشكيل الاقتصاد
بالتوازي مع اختلالات سوق الصرف، أدى استمرار القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع إلى إضعاف القطاعات الإنتاجية وتعطيل حركة التجارة والنقل. هذا الوضع قلص من قدرة الاقتصاد على توليد النقد الأجنبي، في وقت تتراجع فيه الصادرات بشكل ملحوظ، بينما يستمر الطلب على الدولار لتمويل الاستيراد، ولأغراض الادخار والتحوط من انخفاض قيمة العملة.
وفي تفسيره لهذه الضغوط، يوضح الخبير الاقتصادي السوداني هيثم فتحي، في تصريحات خاصة، أن تراجع الجنيه لا يمكن اختزاله في عامل واحد، بل هو نتاج تداخل عوامل داخلية وخارجية. من أبرز هذه العوامل تراجع أعداد الزائرين والسودانيين الوافدين، وتراجع التحويلات المالية، بالإضافة إلى تأجيل المستثمرين لقرارات ضخ رؤوس الأموال في ظل حالة الضبابية الإقليمية. ويضيف فتحي أن استمرار ارتفاع الواردات مقابل ضعف الصادرات، وعدم تعافي القطاعين الصناعي والزراعي بالسرعة المطلوبة، يزيد من الطلب على الدولار ويعمق الضغوط على سعر الصرف.
الدولار يلتهم القوة الشرائية
تنعكس هذه الاختلالات الاقتصادية بشكل مباشر على الأوضاع المعيشية للمواطنين. فقد ارتفع معدل التضخم السنوي إلى 28.29% في أيلول (سبتمبر) 2026، مقارنة بـ 26.14% في آب (أغسطس)، وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء السوداني. وبلغ معدل التضخم 40.35% في المدن و21.18% في الريف، بينما ارتفعت أسعار الأغذية والمشروبات بنسبة 36.81% على أساس سنوي.
على أرض الواقع، تتجلى هذه الضغوط في الخرطوم من خلال طوابير الوقود الطويلة وإغلاق بعض المخابز بسبب ارتفاع أسعار الدقيق. تأتي هذه الأوضاع في ظل تداعيات الحرب المستمرة منذ نيسان (أبريل) 2023، والتي أودت بحياة ما لا يقل عن 59 ألف شخص، وتسببت في نزوح نحو 13 مليوناً، فيما يحتاج أكثر من 30 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية.
فاتورة الاستيراد تحت ضغط العملة
مع تراجع القوة الشرائية وارتفاع تكاليف الإنتاج، تزيد خسائر الجنيه من تكلفة السلع الأساسية ومدخلات الإنتاج. وفي الوقت نفسه، يحد نقص الدولار من القدرة على تمويل الواردات وضمان استقرار الإمدادات.
في محاولة لتخفيف هذه الأعباء، وجه رئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان، برفع القيود عن استيراد المنتجات الغذائية ومدخلات الإنتاج. وشملت التوجيهات إتاحة استيراد الخضراوات والفواكه والدقيق والأرز والبقوليات وزيوت الطعام دون رسوم جمركية، مع السماح للشركات والأفراد بالاستيراد دون قيود.
غير أن هذه الإجراءات وحدها لا تضمن خفض الأسعار، خاصة في ظل استمرار الضغوط على العملة وارتفاع الدولار الجمركي. وتتزامن هذه التطورات مع تحذيرات دولية، بينها تحذيرات من الولايات المتحدة وقوى أوروبية، بشأن تدهور الأمن الغذائي. وفي بيان مشترك، دعت هذه الدول طرفي النزاع إلى تسهيل وصول المساعدات وزيادة التمويل الدولي لمواجهة خطر المجاعة.
في ظل محدودية النقد الأجنبي وصعوبة الوصول إلى القنوات المصرفية الرسمية، يتجه المتعاملون إلى السوق الموازية، مما يفاقم الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية ويعقد عمليات التسعير والتخطيط. ويجعل هذا الوضع احتواء الأزمة مرهوناً بإصلاحات اقتصادية أوسع نطاقاً تتجاوز التدابير المؤقتة.
هل يملك الاقتصاد أدوات لوقف الانهيار؟
في هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي هيثم فتحي أن الحد من تدهور الجنيه واستعادة الاستقرار الاقتصادي يتطلبان معالجة الاختلالات الهيكلية التي تغذي أزمة النقد الأجنبي. ويشمل ذلك توسيع القاعدة الإنتاجية، وزيادة الصادرات، وخفض فاتورة الاستيراد. بالتوازي مع ذلك، يجب العمل على جذب الاستثمارات وإصلاح القطاع المصرفي لاستعادة الثقة وتفعيل دوره في الوساطة المالية والنقدية.
ويؤكد فتحي على أهمية تحسين الأداء الحكومي، وإصدار قوانين جاذبة للاستثمار في القطاعات الإنتاجية، وتعزيز الشفافية، وتفعيل الحياة التشريعية والنقابية لتوفير بيئة أكثر استقراراً للمستثمرين. بالإضافة إلى ذلك، شدد على ضرورة مكافحة الفساد والتهريب والتهرب الضريبي. ويخلص إلى أن التعافي التدريجي للاقتصاد السوداني يظل مرهوناً باستعادة الثقة وتوفير الظروف اللازمة لزيادة الإنتاج وتوليد العملات الأجنبية.
اقتصاد
سياسة
اقتصاد
اقتصاد