لبنان
تكنولوجيا

من ألعاب الطفولة إلى عالم التيك توك: هل فقدنا جوهر الحياة الرقمية؟

المدن٣٠ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٠:٣٤ م0 مشاهدة
من ألعاب الطفولة إلى عالم التيك توك: هل فقدنا جوهر الحياة الرقمية؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "يوميات تقنية (1): من «تتريس» إلى «تيك توك»، ماذا خسرنا؟" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣٠ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

أتذكر ذلك اليوم بوضوح، حين اشترى والدي الراحل، الذي لم يكمل تعليمه المتوسط، أول جهاز كمبيوتر في منزلنا. قال لنا بصرامة: "بالدور، أنتِ وأختك. لا أريد شجارًا عليه". جلست أمامه مبهورةً، وفي قلبي قليلٌ من الرهبة: كيف يمكن لصندوقٍ أن يكون بهذه الدرجة من الذكاء؟ تناوبت أنا وأختي الكبرى على لعب "ديف" و"تتريس" و"سوليتير". كانت معظم تلك الألعاب تمنحك ثلاث محاولات فقط؛ تخسر، فتعود إلى البداية، لكنك تتعلم. ثم تُطفئ الجهاز وتعود إلى العالم الحقيقي: رملٌ وشجرٌ وشمسٌ، وحياةٌ نابضة.

مرت خمسة وعشرون عامًا، قضيتُ بعضها في قلب صناعة التكنولوجيا بلندن، وأجد نفسي اليوم أتساءل: كيف أصبحت سلسلةٌ من الأصفار والآحاد تتحكم في عالمنا؟ حاولتُ ذات مرة شرح الشيفرة الثنائية لجدتي، فوصفت الكمبيوتر بـ"شيطان الأصفار والآحاد". ربما كانت على حق. كل ما تعلمته طوال هذه السنين أصبح عبئًا عليّ، وسؤالٌ واحد يلحّ عليّ: كيف يمكنني أن أجعل هذه التكنولوجيا نافعةً لأهلي في لبنان وللناس في العالم العربي، بينما تتسارع وتيرة التطور التكنولوجي بشكل غير مسبوق؟ نحن مفتونون بها، وفي الوقت ذاته، نشعر بقليلٍ من الخوف منها، تمامًا كما كنتُ أمام ذلك الكمبيوتر الأول. من هنا، ولدت هذه اليوميات التقنية، وهذه هي بدايتها، وستصلكم كل أسبوع. أنتمي إلى جيلٍ عاش على جانبي الشاشة؛ عرفنا الحياة قبل العالم الرقمي، ثم رأيناه يغزو حياتنا. في كل مرة، سأختار تقنيةً واحدة، أحكي لكم كيف التقيتُ بها، وأشرحها بأبسط الطرق الممكنة، لنفكّكها معًا عقدةً بعد عقدة، من الشيفرة الثنائية إلى الذكاء الاصطناعي، ومن "الميتافيرس" والعوالم الغامرة إلى الحوسبة الكمّية. الآلات أصبحت تكتب، أما هذه الكلمات، فقد كتبتها بيدي.

لكل شريط نهاية

طوال سنوات، كان لكل جهازٍ وظيفةٌ محددة: "الوكمان" للأشرطة، و"الديسك مان" للأقراص المدمجة، و"البلاك بيري" لرسائل "بي بي إم". وكان لكل منها نهاية: ينتهي الشريط، وتتوقف الرسالة النصية عند الحرف الـ160، أو الـ70 إن كُتبت بالعربية، وتخسر روحك الثالثة. لكن الحل كان دائمًا متاحًا: تُرجع الشريط، أو تفتح رسالة جديدة، أو تضغط الزر، فتبدأ من الصفر. كانت للألعاب نهاية، ويا لسعدنا بذلك.

صفحة بلا قاع

في تلك الأيام، إذا وصلت إلى أسفل صفحة على الإنترنت، كنت تنقر على "الصفحة التالية". وفي عام 2006، خطرت للمصمم الأمريكي آزا راسكن فكرةٌ أبسط: لماذا لا تواصل الصفحة التحميل تلقائيًا كلما نزلت؟ هكذا وُلد "التمرير اللانهائي" (Infinite Scroll). أراد الرجل الخير، لكنه عاد واعتذر لاحقًا، مدركًا اليوم أن اختراعه يهدر ما يعادل 200 ألف عمرٍ بشريّ كل يوم، كما نقلت عنه صحيفة "ذا ناشيونال". أجلس اليوم في بيروت والهاتف في يدي، ولا يسعدني الاعتراف كم يطول ذلك. ينزلق إبهامي على الشاشة، مرارًا وتكرارًا، بحثًا عن قاعٍ لا يأتي. لا توجد عبارة "انتهت اللعبة" هنا، ولا شيء يخبرني: "كفى، انزل إلى الشمس". ألعاب طفولتي كانت قاسية، تأخذ أرواحك الثلاث وتعيدك إلى البداية، لكنك تعود وقد تعلمت شيئًا. أما سيل المنشورات فلا يهزمك أبدًا، ولا يقول لك يومًا إن وقت الرحيل قد حان. وأطفالنا؟ لم يعرفوا يومًا صفحةً لها آخر. ولهذا السيل ثمن. منذ سنوات، كانت الباحثة غلوريا مارك، من جامعة كاليفورنيا في إرفاين، تراقب كم يصمد المرء أمام شاشةٍ واحدة، سواء كان مستندًا أو بريدًا إلكترونيًا أو صفحة إنترنت، قبل أن ينتقل إلى غيرها. في عام 2004، كانت المدة حوالي دقيقتين ونصف، أما اليوم فقد أصبحت 47 ثانية. نحن لا نخسر في هذه اللعبة، بل نتآكل.

الأصفار والآحاد لا تنسى

منذ دخلت مرحلة ما قبل انقطاع الطمث، وأنا أنسى أكثر مما أريد، وفي بعض الأيام يكون الضباب كثيفًا. أما الأصفار والآحاد فلا تنسى شيئًا. الخوارزمية التي تدير هذا السيل تحفظ كل ثانية توقفنا فيها عند صورة، وتتعلم منها، ثم تعيد إلينا ما يشبهنا، مفصلًا على مقاس إدماننا، بينما تنزلق ذاكرتنا نحو الهاوية. وقد تزيد المقاطع القصيرة الطين بلة. ففي العام الماضي، نشرت مجلة "Psychological Bulletin" مراجعةً جمعت نتائج 70 دراسة شملت أكثر من 98 ألف شخص، وخلصت إلى أننا كلما أفرطنا في مشاهدة المقاطع القصيرة، ضعف انتباهنا وتراجعت قدرتنا على كبح أنفسنا. تُرى، ماذا كان سيقول أبي لو رأى ما صار إليه الصندوق الذي حمله يومًا إلى البيت؟ صندوقه جاء بثلاث أرواح، وبابٍ يُفضي إلى الشارع. أما الصندوق الذي سلمناه لأطفالنا فلا ينتهي. يأكل ساعاتهم ساعةً بعد ساعة، وقد دخل حياتهم قبل أن يبلغوا سنًا تتيح لهم أن يختاروه. بعض الحكومات العربية بدأت أخيرًا تواجه الأمر. ففي حزيران الماضي، أصبحت الإمارات أول دولة عربية تمنع من هم دون الخامسة عشرة من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي. وفي مصر، يعمل البرلمان منذ كانون الثاني على تشريعٍ في هذا الشأن. وهنا في لبنان، تقدم النائب طوني فرنجية في شباط الماضي باقتراح قانونٍ يُبقي من هم دون الرابعة عشرة خارج المنصات. أريد أن أصدق أن هذه القوانين ستحمي أطفالنا، وفي داخلي ما يصدق فعلًا. لكن جيلًا كاملًا كبر داخل هذا السيل، وفكرةٌ واحدة لا تفارقني: هل فات الأوان؟ هل سيعرفون يومًا أن خلف الشاشة رملًا وشجرًا وشمسًا… وحياة؟

شارك الخبر: