الجزائر وسباق ممرات الطاقة في الساحل الأفريقي: بين الفرص والتحديات الأمنية


هذا الخبر بعنوان "الجزائر وممرات الغاز في صراع الساحل الأفريقي" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣١ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في ظل اضطرابات الملاحة العالمية وأزمات الطاقة في الخليج عبر مضيق هرمز، تبرز الجزائر كلاعب أساسي وموثوق لتزويد أوروبا بالغاز الطبيعي. هذا الواقع يدفع الجزائر لتعزيز حضورها الاستراتيجي جنوباً، بهدف تأمين مشروع أنبوب الغاز النيجيري الذي سيمر عبر النيجر وصولاً إلى أراضيها. ومع ذلك، فإن هذا التوسع الاقتصادي والطاقوي يدمج المصالح الحيوية مع التعقيدات الأمنية لمنطقة الساحل الأفريقي، خاصة مع تراجع النفوذ الفرنسي وتزايد التنافس الإقليمي. يواجه صناع القرار في الجزائر تحدياً حقيقياً يتمثل في استثمار التحولات الدولية لصياغة نفوذ استراتيجي مستدام، أو الوقوع في فخ تعقيدات الساحل الميدانية.
أوروبا تبحث عن بديل
أظهرت أزمة هرمز أن أمن الطاقة لا يعتمد فقط على حجم الاحتياطيات أو القدرة الإنتاجية، بل أيضاً على مسارات الإمدادات. فعندما تتعرض الممرات البحرية الحيوية للخطر، ترتفع تكاليف النفط والغاز، وتتسع التداعيات لتشمل النقل والصناعة والأسمدة وأسعار الغذاء. تواجه الحكومات الأوروبية ضغوطاً للموازنة بين تأمين الإمدادات واحتواء التضخم، في ظل عدم قدرة مصادر الطاقة البديلة على تعويض النقص فوراً.
تتمتع الجزائر بميزة تنافسية تتمثل في بنيتها التحتية القائمة التي تربطها بالسوق الأوروبية، أبرزها خطوط الغاز المتجهة إلى إيطاليا وإسبانيا. هذا يجعلها شريكاً مهماً في تنويع الإمدادات، لكن زيادة الصادرات تتطلب إنتاجاً إضافياً واستثمارات وصيانة للبنية التحتية، مع الأخذ في الاعتبار الطلب المحلي والالتزامات القائمة. تبرز أهمية موقع الجزائر الجغرافي، بالإضافة إلى كونها مصدراً للغاز، في توفير طرق بديلة تقلل من تعرض أوروبا للاضطرابات. ومن هنا تبرز أهمية مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، لنقل الغاز النيجيري عبر النيجر إلى الجزائر ثم إلى أوروبا. هذا المشروع، رغم كونه طويل الأجل ويتطلب تمويلاً ضخماً واتفاقات بين ثلاث دول وتأمين مسار عبر منطقة مضطربة، يمنح أوروبا خياراً إضافياً ويعزز دور الجزائر في نقل موارد أفريقية أخرى.
لماذا النيجر؟
يصبح التحرك الجزائري جنوباً مفهوماً في ظل أهمية النيجر كحلقة جغرافية في مشروع طاقة يتجاوز حدود البلدين، وكجزء من مجال أمني يؤثر عدم استقراره على المصالح الجزائرية. بعد انقلاب يوليو، شهدت العلاقات بين الجزائر والنيجر تقارباً، وتوسع التعاون ليشمل التحركات العسكرية الجزائرية وموافقة البرلمان على نشر وحدات من الجيش في النيجر. قد لا يكون تأمين أنبوب الغاز المستقبلي هو السبب المباشر لهذا الانتشار، لكنه يعكس رغبة الجزائر في منع تدهور الوضع في جوارها الجنوبي والحفاظ على علاقات تتيح لها تطوير مصالحها الاقتصادية في النيجر وغرب أفريقيا.
تواجه الجزائر معضلة تتمثل في أن المناطق التي تحتاج إلى الاستقرار للاستثمار هي نفسها التي تنشط فيها جماعات مسلحة وتتنافس فيها قوى إقليمية ودولية. قد يساعد التعاون العسكري في حماية مواقع محددة، لكنه لا يضمن أمن البنية التحتية أو ينهي أسباب الاضطراب السياسي والاجتماعي في الساحل. كما أن النيجر ليست المسار الوحيد المتاح للغاز النيجيري، حيث يقدم مشروع الأنبوب النيجيري المغربي تصوراً بديلاً يمر عبر المغرب. يكشف هذان المشروعان عن تنافس لا يقتصر على الغاز، بل يشمل الطرق التي تنقله والاستثمارات والنفوذ المرتبط بها.
باريس خارج المعادلة
تزداد دلالة التحرك الجزائري في ضوء الخلاف مع فرنسا، خاصة بعد اعتراف باريس بسيادة المغرب على الصحراء الغربية. تراجع الحضور الفرنسي في أجزاء من الساحل دفع الأنظمة العسكرية إلى بناء شراكات جديدة. قد يمنح تعزيز التحرك الجزائري في النيجر الجزائر مساحة أوسع للحركة في منطقة كانت فرنسا تعتبرها مجال نفوذها. ومع ذلك، فإن اختزال الانتشار العسكري في منافسة باريس هو تبسيط للمشهد، فالجزائر تعتبر أمن حدودها الجنوبية أولوية بغض النظر عن علاقتها بفرنسا، وعلاقتها الاقتصادية بأوروبا لا تقتصر على باريس. قد تستفيد الجزائر من أزمة لم تصنعها، لكنها لا تستطيع التحكم في نتائجها، فأسعار الطاقة والطلب الأوروبي ومشروعات الأنابيب كلها عوامل متغيرة.
واشنطن وبكين
لا يقتصر التنافس على ممرات الطاقة في الساحل على الجزائر وفرنسا أو الجزائر والمغرب. فالولايات المتحدة والصين لهما حضور بأدوات مختلفة. انسحبت القوات الأميركية من النيجر، لكنها لم تفقد مصالحها الاستراتيجية في مكافحة الجماعات المسلحة والحد من النفوذ الروسي والصيني. تسعى شركات أميركية لتعزيز حضورها في قطاع المحروقات الجزائري، مما قد يساهم في زيادة الإنتاج والتصدير إلى أوروبا. يندرج الاهتمام الأميركي بالجزائر ضمن سياق أمن الطاقة الأوروبي والتنافس الأوسع على النفوذ في أفريقيا. في المقابل، ترسخ الصين حضورها الاقتصادي في النيجر عبر استثمارات مباشرة في قطاع النفط وإنشاء خط نقل إلى بنين.
رهان الجزائر
لا يهدف رهان الجزائر إلى أن تصبح بديلاً كاملاً عن الخليج أو أن تحل محل فرنسا في الساحل، بل إلى جعل موقعها بين أفريقيا وأوروبا، وبنيتها التحتية الطاقوية، وعلاقاتها الإقليمية، عناصر قوة يصعب تجاوزها. الطريق إلى ذلك يمر عبر النيجر، حيث يجب أن يكون الممر آمناً وقابلاً للتمويل والتشغيل، مما يمثل الفرق بين فرصة تتيحها أزمة الطاقة ونفوذ مستدام.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد