شراكة "ألفا" و"ستارلينك" و"OneWeb": تساؤلات حول الجدوى والمشروعية في قطاع الاتصالات اللبناني


هذا الخبر بعنوان "إشكالات الشراكة بين "ألفا" و"ستارلينك" و"OneWeb"" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ تشرين الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أثار اجتماع السراي الكبير برئاسة رئيس الحكومة نواف سلام حول خدمة ستارلينك تساؤلات حول أهداف إطلاقها. أكد سلام أن الهدف الأساسي هو توفير الإنترنت للمناطق التي تفتقر للبنية التحتية للاتصالات، وتحفيز التنمية الاقتصادية، وتعزيز ثقة المستثمرين. وشدد على أن الخدمة ليست بديلاً عن الشبكات التقليدية، بل خيار إضافي لضمان استمرارية الاتصالات في حالات الانقطاع والطوارئ، مع ضرورة مواصلة تطوير البنية التحتية القائمة.
ونفى سلام وجود حصرية لستارلينك، كاشفاً عن مباحثات مع شركة OneWeb لتوفير خدمة منافسة. وأعلنت شركة ألفا عن تفعيل الخدمة لـ37 جهة في المرحلة الأولى، شملت وزارات ومؤسسات عامة وأجهزة أمنية، وتوسعت في المرحلة الثانية لتشمل القطاع الخاص بأكثر من 100 شركة. وطلبت ألفا 500 جهاز إضافي لتلبية الطلب المتزايد.
حددت ألفا كلفة الاشتراكات السنوية بين 2,100 دولار لباقة 500 جيغابايت شهرياً و3,588 دولاراً لباقة التيرابايت الواحد، إضافة إلى 550 دولاراً ثمن الجهاز، مع تسديد الاشتراكات مسبقاً. وتؤول 25% من إيرادات الاشتراكات إلى الدولة اللبنانية، باستثناء مبيعات الأجهزة.
يثير هذا الإعلان تساؤلات حول السياسة التنظيمية لقطاع الاتصالات، خاصة فيما يتعلق بتداخل القرارات بين وزارة الاتصالات والهيئة الناظمة للاتصالات (TRA). وتبرز علامات استفهام حول الجدوى الاقتصادية، والمشروعية القانونية، وأصول الحوكمة الرشيدة، لاسيما في إقحام شركة "ألفا"، المشغل الخليوي المملوك للدولة، كذراع تسويقي لشركة "ستارلينك" الأميركية.
من منظور اقتصاديات الاتصالات، يُعد تفويض "ألفا" لتسويق وبيع باقات "ستارلينك" نموذجاً غير مسبوق عالمياً. إن قيام مشغل وطني بتبني خدمات شبكة أجنبية تُعد منافساً مباشراً له يُدخل المؤسسة في حالة من "الافتراس الداخلي" (Cannibalization)، مما يساهم في تقويض حصته السوقية وإيراداته الذاتية لصالح الشركة الأجنبية.
يعكس هذا الإجراء غياب التوازن التجاري، حيث تُسخر "ألفا" مواردها لخدمة نموذج "عابر للقارات" وربط مباشر بالمستهلك، مما قد يُفسر كمحاولة للتقرب من الأطراف الدولية المؤثرة على حساب المصلحة الاقتصادية العليا لقطاع الاتصالات.
تتجاوز المشكلة الأبعاد التجارية لتصطدم بالمنظومة التشريعية الحاكمة للقطاع. فقيام "ألفا" ببيع وتوزيع هذه الخدمات يقع في دائرة المخالفة الصريحة لأحكام قانون الاتصالات رقم 431 الصادر عام 2002، لا سيما المواد 18 و24 و30 الناظمة لآليات وشروط ترخيص شبكات وخدمات الاتصالات العامة، والمحددة لصلاحيات الهيئة المنظمة وحظر الاحتكار وتأمين المنافسة.
يبرز غياب دور "الهيئة الناظمة للاتصالات" كجهة رقابية ضامنة للقانون؛ إذ إن سماحها بمرور هذه الممارسات يُعد خروجاً عن القواعد والأدبيات المعمول بها لدى هيئات التنظيم المرموقة دولياً، ومخالفة واضحة لمبادئ "أصول الحوكمة الصحيحة والناظمة للاتصالات".
على الرغم من الإعلان عن تحصيل الدولة لنسبة 25% من الإيرادات كرسوم رخصة، إلا أن هذا الإجراء لا يحجب انعدام الشفافية حول الشروط المالية للعقد المبرم بين "ستارلينك" و"ألفا". وتظل التساؤلات الرقابية والمالية قائمة حول طبيعة الأتعاب التي تتقاضاها "ألفا"، وما إذا كانت هذه التكلفة تغطي حجم الخسائر المتوقعة جراء نزوح المشتركين نحو الخدمة الوافدة.
ينبع التخبط التنظيمي من عدم التمييز التقني والتجاري بين خطوط العمل الخاصة بالشبكات المدارية المختلفة. فنموذج OneWeb (التكاملي) صُمم لقطاع الأعمال وربط الشبكات (Backhaul)، وكان الأجدى إتاحته حصرياً لشركتي الخليوي و/أو "أوجيرو" لاستخدامه كتكملة لتغطية الشبكات الأرضية. أما نموذج Starlink (التنافسي)، فيتجه للجمهور العريض وينافس بصورة شرسة خدمات النطاق العريض والبيانات المحلية. ودمج النموذج التنافسي في صلب عمليات المشغل الوطني يُمثل خطأً استراتيجياً يُهدد السيادة الرقمية والإيرادات السيادية للدولة.
إن الاستمرار في هذه المقاربة يهدد بتفكيك ما تبقى من الملاءة المالية لقطاع الاتصالات العام في لبنان. ويتطلب الوضع القائم مراجعة فورية لوقف ممارسات الانتحار التجاري الموجهة ضد المشغلين الوطنيين ألفا وتاتش، وإعادة تفعيل الدور الرقابي المستقل للهيئة المنظمة للاتصالات، فضلاً عن الفصل التنظيمي الحاسم بين مساري "OneWeb" و"ستارلينك" بما يتوافق مع النصوص القانونية النافذة والمعايير الدولية لحماية الأسواق الوطنية.
يكشف تحليل الخطاب الرسمي الذي برر به رئيس الحكومة إطلاق خدمات ستارلينك عن هوة سحيقة بين الأهداف المعلنة والواقع العملي. فمن الناحية المالية، تتناقض البنية السعرية للخدمة مع القدرة الشرائية المنهارة في المناطق الريفية والنائية، مما يجعل الحجة الاجتماعية الرسمية غير واقعية اقتصادياً. ويتضح أن المستهدف الفعلي لخدمات ستارلينك ليس الفئات المهمشة رقمياً، بل الاستحواذ على الشريحة الأعلى ربحية في سوق الاتصالات اللبناني، مما يؤدي إلى تآكل الملاءة المالية للمشغل الوطني وتقويض الاستقرار الهيكلي للاقتصاد الرقمي الوطني.
يغفل الطرح الرسمي التساؤل حول كفاءة البدائل الوطنية المتاحة. إذ كان الأجدى إلزام المشغلين الوطنيين بتوسيع وتحسين نطاق تغطية شبكات الجيل الرابع والجيل الرابع المتقدم لتشمل تلك المناطق النائية. وتعد هذه المقاربة الوطنية الحل المثالي والأكثر استدامة، لجهة انخفاض تكلفة الولوج الرقمي للمواطن، وضمانات تشغيلية وأمنية عليا تتعلق بحماية الأمن السيبراني وسيادة البيانات الخاصة باللبنانيين، والتي تتبدد بالكامل عند تسليم قطاع الاتصالات لشبكات أجنبية.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد