لبنان
سياسة

في يوم واحد: بيروت تلغي الإعدام ودمشق تصدر أحكاماً به.. هل العدالة بالمشنقة؟

المدن٣٠ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٢:٠٠ ص0 مشاهدة
في يوم واحد: بيروت تلغي الإعدام ودمشق تصدر أحكاماً به.. هل العدالة بالمشنقة؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "في يومٍ واحد بيروت تلغي ودمشق تعدم" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ آب ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في خضم الأحداث، كان خبر الحكم بإعدام بشار الأسد، وماهر الأسد، وعاطف نجيب، وفهد جاسم الفريج، ليحتل مساحة واسعة في أذهان الكثير من السوريين. لم يكن هذا الحكم مجرد إجراء قضائي، بل كان لحظة طال انتظارها، حيث يقف رموز النظام الذي حكم البلاد لعقود أمام العدالة، وتتحول أسماؤهم المرتبطة بالسلطة المطلقة إلى ملفات اتهام وأحكام قضائية. لكن المفارقة تكمن في أن هذا الحكم صدر في نفس اليوم الذي اتخذت فيه لبنان خطوة معاكسة تماماً. ففي 11 آب/أغسطس، أقرّ مجلس النواب اللبناني إلغاء عقوبة الإعدام، منهياً بذلك حقبة قانونية من عقوبة الموت. وفي اليوم ذاته، اعترضت منظمة العفو الدولية على أحكام الإعدام السورية، مع التأكيد على مبدأ محاسبة مسؤولي النظام السابق. ثلاثة أحداث متناقضة في يوم واحد تثير تساؤلاً جوهرياً أمام سوريا: هل تتطلب العدالة المشنقة؟

لا يتعلق الأمر هنا بما إذا كان بشار الأسد يستحق العقاب، فمن الصعب مناقشة جرائم نظامه بمنطق التساهل. السوريون لا يحتاجون لتذكير بما يعنيه الاعتقال والتعذيب والقتل والتهجير، ولا يحتاج أهالي الضحايا إلى درس أخلاقي عن التسامح مع من تسبب لهم بكل ذلك. لكن هناك فرقاً شاسعاً بين أن نقول للضحية: "لقد حاكمنا من ظلمك"، وأن نقول لها: "لقد قتلناه". الأولى تعني أن الدولة بدأت تستعيد سيادة القانون بعد احتكاره لعقود، أما الثانية فتطرح سؤالاً عن طبيعة الدولة التي نسعى لبنائها بعد سقوط النظام. عندما تبدأ الدولة الجديدة بمحاكمة رأس النظام السابق، فإن العقوبة لا تعود شأناً فردياً، بل تصبح جزءاً من تعريف الدولة لنفسها. هل تريد الدولة أن تقول إن زمن القتل السياسي قد انتهى، أم أن القتل يصبح مشروعاً حين يكون القاتل هو من يقف في الجهة الأخرى من قفص الاتهام؟

هذا لا يعني أن حق بشار الأسد في الحياة أهم من حق ضحاياه في العدالة، ولكنه يعني أن العدالة المنشودة للضحايا يجب ألا تكون بالضرورة قتلاً باسمهم. قد يشعر الضحية بأن إعدام الجاني يعيد إليه شيئاً من كرامته، وهذا شعور مفهوم. لكن المشنقة لا تجيب عن الأسئلة المعلقة في آلاف البيوت السورية: أين ابني؟ من أصدر الأمر؟ من نفذه؟ أين الجثة؟ من أخفى الأدلة؟ من كتب التقارير؟ ومن كان على علم؟ الإعدام قد ينهي حياة المتهم، لكنه لا يعيد حياة الضحية، ولا يكشف وحده كيف اشتغلت المنظومة التي أنتجت الجريمة. وهنا تحديداً تصبح العدالة أسمى من مجرد عقوبة.

منظمة العفو الدولية، التي وثقت لسنوات انتهاكات نظام الأسد وطالبت بمحاسبة المسؤولين عنها، لم تقل إن بشار الأسد بريء ولم تطلب إعفاءه من المحاسبة. موقفها من الإعدام ينطلق من مبدأ أوسع: أن أخطر الجرائم لا تصبح أقل خطورة إذا كان مرتكبها سيئاً لدرجة تجعل قتله يبدو عدالة. قد يبدو هذا الموقف مستفزاً للسوريين الذين عاشوا تحت وطأة النظام، لكنه يطرح سؤالاً ضرورياً: إذا كانت الدولة الجديدة تريد أن تكون مختلفة عن الدولة القديمة، فهل يكفي تغيير أسماء السجون والمحاكم، أم يجب أيضاً تغيير مفهوم العقوبة نفسه؟

وهنا بالضبط تصبح المقارنة مع لبنان أكثر إثارة. لبنان، الذي يحمل بدوره تاريخاً ثقيلاً من الحروب والاغتيالات والإفلات من العقاب، اختار في اليوم نفسه أن يقول إن الدولة تستطيع أن تعاقب دون أن تقتل. لا يعني ذلك أن لبنان أصبح نموذجاً للعدالة، ولا أن سجله في المحاسبة خالٍ من الثقوب. لكنه اتخذ موقفاً واضحاً من عقوبة الموت. في المقابل، اختارت سوريا الإعدام في واحدة من أولى اللحظات الكبرى التي تختبر فيها شكل عدالتها بعد سقوط النظام. ربما لهذا السبب لا ينبغي النظر إلى الحكم باعتباره نهاية القصة، بل بداية لسؤال أكبر: هل يمكن أن تتحول العدالة الانتقالية إلى انتقام انتقالي؟ الانتقام يريد إنهاء الأمر، بينما العدالة تريد فهمه. الانتقام يريد دفع الجاني الثمن، والعدالة تريد تحديد المسؤولية، وتوثيق الجريمة، وإنصاف الضحية، ومنع تكرارها. الانتقام ينظر إلى الشخص، والعدالة تنظر إلى النظام الذي سمح بالجريمة. وهذا هو الفارق الذي تحتاج سوريا إلى ألا تخسره وهي تحاكم رجال النظام السابق، لأن الخطر ليس في أن يعاقب بشار الأسد، بل في أن تختصر سوريا كل العدالة في مصيره. أن يصبح إعدامه خاتمة مريحة لملف طويل، فيما تبقى الأسئلة الأهم معلقة: كيف عملت أجهزة النظام؟ من شارك؟ من أمر؟ من موّل؟ من تستر؟ ومن يضمن ألا تعود المنظومة نفسها بأسماء جديدة؟

سوريا لا تحتاج فقط إلى حكم قاسٍ، بل إلى حكم يصعب على التاريخ نفسه الطعن فيه. تحتاج إلى محاكمات لا تُبنى على غضب اللحظة، بل على أدلة ومسؤوليات واضحة وإجراءات يمكن الدفاع عنها حتى بعد أن تهدأ الشوارع. فالدولة لا تُختبر حين تحاكم شخصاً محبوباً، بل حين تحاكم شخصاً يكرهه معظم سكان البلاد. هناك تحديداً يصبح القانون امتحاناً حقيقياً. ربما كان سهلاً أن تسقط سوريا بشار الأسد. الأصعب هو أن تتعلم كيف تحاكمه دون أن ترث منطقه. في 11 آب، كانت بيروت تلغي عقوبة الإعدام، وكانت دمشق تصدر أحكاماً بها، وكانت منظمة العفو الدولية تذكّر بأن المحاسبة ليست مرادفاً للموت. لم تكن تلك مجرد مصادفة في التقويم، بل كانت مرآة. والسؤال الذي تركته أمام سوريا ليس: هل يستحق بشار الأسد الموت؟ بل سؤال أكثر قسوة: هل تريد سوريا أن تنتقم من بشار الأسد، أم أن تنتصر على الطريقة التي حكم بها بشار الأسد؟ لأن إعدام رجل قد يكون نهاية حياته، لكن العدالة الحقيقية تبدأ عندما يصبح موته أقل أهمية من أن تعرف البلاد لماذا قُتل الآخرون، وكيف، وبأمر من، وكيف يمكن ألا يتكرر ذلك. إسقاط الأسد كان نهاية رجل، أما العدالة فهي اختبار دولة.

شارك الخبر: