لبنان بين إلغاء الإعدام والعفو العام: هل يتجه نحو دولة القانون أم التسويات؟


هذا الخبر بعنوان "بين إلغاء الإعدام والعفو العام... هل يتقدّم لبنان نحو دولة القانون أم نحو دولة التسويات؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يواجه لبنان مفارقة سياسية وقانونية تستدعي التأمل، حيث ألغى مجلس النواب عقوبة الإعدام، ثم أقرّ قانون العفو العام في اليوم التالي. ظاهرياً، يبدو هذا المشهد وكأنه انتقال نحو نهج أكثر إنسانية وإصلاحاً، لكن الحقيقة أعمق من مجرد إلغاء عقوبة أو إطلاق سراح موقوفين. يبقى السؤال الجوهري: هل أصبح لبنان قادراً فعلاً على بناء نظام عدالة يميز بين المظلوم والمذنب؟
إن إلغاء عقوبة الإعدام خطوة حقوقية هامة، خاصة وأن لبنان لم يطبقها منذ سنوات طويلة. ومع ذلك، فإن قياس قوة دولة القانون لا يقتصر على عدم إعدام المحكومين، بل بقدرتها على منع الظلم في المقام الأول. فما قيمة إلغاء الإعدام إذا كان الموقوفون قد يقضون سنوات طويلة خلف القضبان دون محاكمة؟ وما معنى الحديث عن العدالة الإصلاحية إذا ظل القضاء عاجزاً عن حسم القضايا في وقت معقول؟
من هذا المنطلق، يصبح العفو العام في جوهره قضية عدالة قبل أن يكون قضية سياسية. هناك موقوفون تعرضوا للظلم بالفعل، ودفع بعضهم سنوات من عمره ثمناً لتأخر المحاكمات وتعقيدات النظام القضائي اللبناني. إن إنصاف هؤلاء ليس منة من أحد، ولا انتصاراً لفئة معينة، بل هو واجب على الدولة التي تحترم حقوق الإنسان. وفي المقابل، لا يمكن أن يتحول العفو إلى وسيلة لتبرئة من ثبتت إدانتهم بجرائم خطيرة، أو إلى باب خلفي لإسقاط حقوق الضحايا. فالمطالب بالإفراج عن موقوف لم تثبت إدانته لا يعني المطالبة بالإفراج عن مجرم. والمطالب بحقوق شهداء الجيش وضحايا الجرائم لا يعني أنه ضد العدالة أو الرحمة.
تبدأ المشكلة عندما تتحول هذه القضية من ملف قضائي إلى بازار طائفي. فالعدالة لا تسأل عن انتماء الموقوف، بل عن التهمة، والإدانة، ومدة العقوبة، وحقوق الضحايا. هذه هي المعايير التي كان يجب أن تحكم القانون وتطبيقه.
أما السجال الذي رافق جلسة العفو العام بين رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الدفاع ميشال منسى، فهو يتجاوز مسألة من يصعد إلى منبر مجلس النواب. رئيس الحكومة هو المتحدث باسم الحكومة، وتمسكه بوحدة القرار الحكومي لا يعني انتقاصاً من دور وزير الدفاع. نواف سلام لم يتجاهل خصوصية موقع وزير الدفاع أو حساسية الملفات المتعلقة بالجيش، فهو رئيس السلطة التنفيذية. والدولة لا تُدار بمنطق تعدد الأصوات، بل بمنطق المؤسسات والصلاحيات الدستورية. إن إنصاف نواف سلام لا يعني إدانة وزير الدفاع، واحترام وزير الدفاع لا يستوجب تجاوز صلاحيات رئيس الحكومة. الأهم هو إبقاء الجيش خارج التجاذب السياسي.
فدماء شهداء الجيش عزيزة ومحترمة، لكن دماء المدنيين كذلك. ولا يمكن بناء دولة عادلة على قاعدة أن دم العسكري أقدس من دم المدني، أو أن مظلومية فئة تلغي مظلومية أخرى. الدولة القوية هي التي تحمي العسكري والمواطن معاً، وتحفظ حق الشهيد كما تحفظ حق الموقوف الذي لم تثبت إدانته.
وهنا تكمن قيمة العفو العام وخطورته. إذا حرر المظلوم الذي طال توقيفه، فهذه عدالة. وإذا عالج خللاً قضائياً حرم إنساناً من محاكمة عادلة، فهذه خطوة مطلوبة. أما إذا تحول إلى تسوية سياسية أو طائفية تحمي أصحاب النفوذ، فسيعيد إنتاج المشكلة نفسها.
لبنان لا يحتاج إلى عفو عام جديد كلما عجز القضاء عن القيام بدوره. بل يحتاج إلى قضاء مستقل وسريع، ومحاكمات لا تجعل الإنسان ينتظر سنوات لمعرفة مصيره. العدالة الحقيقية ليست العفو عن المظلوم بعد ظلمه، بل بناء نظام يمنع الظلم من الأساس. الامتحان الحقيقي أمام السلطة السياسية هو: هل سيكون العفو العام خطوة نحو إصلاح الدولة، أم مجرد تسوية جديدة؟
السؤال يجب أن يوجه للجميع: هل العفو للمظلوم أم للنائب؟ للإنسان الذي بقي خلف القضبان دون محاكمة عادلة، أم للمصالح السياسية؟ إذا كان الهدف إنسانياً، فليكن المعيار واحداً: الجريمة، الحكم، مدة التوقيف، وحقوق الضحايا. وإذا كان إلغاء الإعدام خطوة حضارية، فيجب أن يكون العفو العام خطوة أخرى في الاتجاه نفسه، لا عودة إلى دولة التسويات.
لقد أتيحت للبنان فرصة نادرة لربط إصلاح العقوبة بإصلاح العدالة. والمطلوب ألا يخرج من هذه اللحظة منتصر سياسي، بل أن تخرج منها الدولة منتصرة. لبنان لا يحتاج إلى انتصار نواف سلام على ميشال منسى، بل إلى انتصار الدستور على الفوضى، والقانون على المحاصصة، والعدالة على الحسابات السياسية.
في النهاية، لا ينبغي أن يكون السؤال: هل نحن مع العفو أم ضده؟ بل: عن من نعفو، ولماذا، وبأي معيار؟ ولا ينبغي أن يكون السؤال فقط: هل نؤيد إلغاء الإعدام؟ بل: هل نستطيع أخيراً بناء دولة لا تقتل المذنب، ولا تسجن البريء، ولا تترك الضحية بلا حق؟ عندها فقط يمكن القول إن لبنان بدأ فعلاً ينتقل من دولة التسويات إلى دولة القانون والمؤسسات.
سياسة
سياسة
سياسة
اقتصاد