شرق المتوسط: واشنطن تعيد رسم خريطة النفوذ وتتصدّر مشهد التحولات الجيوسياسية


هذا الخبر بعنوان "شرق المتوسط... واشنطن ترسم خريطة النفوذ الجديدة" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يعد شرق المتوسط مجرد منطقة غنية بالغاز أو ساحة لخلافات الحدود البحرية، بل دخلت المنطقة مرحلة جديدة تتمحور حول إعادة تشكيل موازين القوى السياسية والأمنية والاقتصادية. هذه الجغرافيا الممتدة من غزة ولبنان إلى سوريا وقبرص واليونان وتركيا، ترتبط بشكل مباشر بأمن الطاقة والممرات الملاحية، وتشهد تحولات ميدانية قد تمهد لمشروع مستقبلي.
الحرب في غزة لم تعد قضية فلسطينية-إسرائيلية بحتة، بل أصبحت مدخلاً لإعادة ترتيب البيئة السياسية والأمنية في شرق المتوسط. وفي لبنان، انتقلت واشنطن من دور الوسيط التقليدي إلى لاعب مباشر في صياغة ترتيبات الأمن والحدود والعلاقة بين الدولة اللبنانية وجيرانها. هذا التحول يشير إلى أن لبنان، الذي كان مسرحاً لتوازنات بين وسطاء متعددين، أصبح الآن تحت سيطرة لاعب واحد يمسك بخيوط التسوية.
سوريا تمثل الحلقة الأكثر دلالة في هذا التحول. سقوط نظام بشار الأسد فتح الباب أمام إعادة رسم موقع دمشق في المعادلة الإقليمية، ودمج قوات قسد بالجيش السوري. في المقابل، سارعت الولايات المتحدة وأوروبا إلى الانفتاح على السلطة الجديدة، بينما بدأ النفوذ الروسي، الذي كان أحد أعمدة الوجود الدولي في شرق المتوسط لعقد تقريباً، بالتراجع. الاتفاق السوري-الروسي الأخير بشأن قاعدتي حميميم وطرطوس، والذي أنهى الصيغة السابقة للوجود العسكري الروسي، كان مؤشراً بالغ الدلالة على هذا التحول. ومع ذلك، فإن انسحاب موسكو التدريجي لا يعني خسارة كاملة، فروسيا لا تزال تحتفظ بأوراق اقتصادية وسياسية، بالإضافة إلى إمكانية المقايضة عبر مكاسب محتملة في ملف أوكرانيا.
الحضور الأوروبي البطيء في مواجهة الاندفاعة الأميركية. المفارقة أن التراجع الروسي لا يعني أن أوروبا تملأ الفراغ. الاتحاد الأوروبي يعمل على استعادة علاقاته الاقتصادية والسياسية مع سوريا، وأعاد في أيار 2026 تفعيل اتفاق التعاون معها. لكنه لا يزال يتحرك ببطء وبقدرة أقل على فرض نفوذ جيوسياسي موازٍ للنفوذ الأميركي، سواء في سوريا أو لبنان. فبينما تنتقل واشنطن من ملف إلى آخر بخطى متسارعة، يبقى القرار الأوروبي رهينة التناقضات الداخلية وبطء آلياته التنفيذية، إضافة إلى العبء الذي ألقته عليه حرب أوكرانيا.
تُبرز السرعة الأميركية كأحد أهم متغيرات المرحلة. تبدو واشنطن وكأنها تعمل على ربط الملفات المتناثرة في منظومة واحدة: أمن إسرائيل، مستقبل غزة، أمن لبنان، إعادة تشكيل سوريا، احتواء النفوذ الإيراني، وتأمين طرق الطاقة والتجارة في شرق المتوسط. لم تعد الأدوات العسكرية وحدها هي الوسيلة، فالضغط السياسي، والاتفاقيات الأمنية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، والاستثمارات والبنية التحتية، كلها تتحول إلى أدوات نفوذ.
هذا المشروع الأميركي لا يسير في فراغ. فإسرائيل وإيران تبقيان لاعبين لهما حساباتهما الخاصة التي لا تتطابق بالضرورة مع التصور الأميركي الشامل للمنطقة. تل أبيب، رغم تقاطعها الجذري مع الهدف الأميركي بتقليص النفوذ الإيراني، قد ترى في هندسة الترتيبات الأمنية الجديدة تقييداً لحرية عملها العسكري المطلق، وتخوفاً من أن يتحول الاستقرار المفترض إلى قيود تكبل عقيدتها الهجومية. بينما تسعى طهران، رغم تراجع نفوذها الإقليمي بعد سقوط الأسد وضعف حزب الله، إلى إعادة التموضع بأدوات أخرى، عبر شبكة تحالفات بديلة وشراكات خفية، محاولةً الحفاظ على أوراق ضغط في الساحات الرخوة.
صراع الطاقة: المعركة على البنية التحتية والممرات. تتحول الطاقة إلى عنصر إضافي في هذه المعادلة. فحقول الغاز في إسرائيل وقبرص، والبنية التحتية المصرية لتسييل الغاز، والموانئ والممرات البحرية، تفتح أمام شرق المتوسط دوراً متزايداً في تأمين جزء من احتياجات أوروبا. وبالتالي فإن الصراع المقبل لن يكون فقط على مصادر الطاقة، بل على طرق تصديرها وعلى البنية التحتية التي تربط شرق المتوسط بأوروبا. فمن يتحكم بهذه الطرق يتحكم فعلياً بشريان استراتيجي يربط ثلاث قارات، وهو ما يجعل السيطرة على الممر أهم من ملكية المورد نفسه.
من هنا تكتسب الجغرافيا اللبنانية أهمية مضاعفة. فلبنان يقع في قلب منطقة يجري فيها الآن بناء نظام إقليمي جديد، لكنه يواجه خطر أن يتحول من موقع جغرافي استراتيجي إلى مجرد ساحة لتطبيق ترتيبات الآخرين. أما سوريا، فتواجه بدورها اختباراً مشابهاً: هل تستطيع استثمار موقعها المتوسطي والشرقي في بناء دور مستقل، أم تتحول إلى جزء من منظومة نفوذ جديدة؟
من يملك المفاتيح؟ المؤشرات الحالية توحي بأن شرق المتوسط سيكون إحدى ساحات التنافس الكبرى خلال السنوات المقبلة، وأن الولايات المتحدة تسعى إلى تثبيت موقعها كالقوة الأكثر تأثيراً في رسم قواعد هذه المرحلة، مستفيدة من تراجع الدور الروسي وبطء الحضور الأوروبي. وبذلك، ينتقل الصراع من سؤال: من يملك مصادر الغاز؟ إلى سؤال أكثر أهمية: من يملك مفاتيح المنطقة التي تتحكم بعبور مصادر الطاقة؟ فالمعركة الحقيقية لم تعد على موارد المنطقة فقط، بل على من يملك مفاتيح أمنها، وممراتها، وتحالفاتها، وشكل العلاقة بين شرقها وغربها.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة