لبنان
تكنولوجيا

من كهف أفلاطون إلى الماتريكس: الذكاء الاصطناعي والإعلان، هل نستعيد السرد؟

النهار٢٥ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٢:٢٦ ص0 مشاهدة
من كهف أفلاطون إلى الماتريكس: الذكاء الاصطناعي والإعلان، هل نستعيد السرد؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "من كهف أفلاطون إلى الماتريكس: عن الذكاء الاصطناعي والإعلان والتنازل عن السلطة الاستراتيجية" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢١ آب ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

السؤال المحوري ليس حول قوة الذكاء الاصطناعي، بل حول قدرة الاستراتيجيين على استعادة زمام تأليف السرد. فالعلامات التجارية لا تقتصر على بيع المنتجات، بل تسعى لبناء المعتقدات. الخطر الأكبر لا يكمن في وعي الذكاء الاصطناعي، بل في سلبية الاستراتيجيين.

لم يكن فيلم "الماتريكس" مجرد عمل خيال علمي، بل كان يحمل نظرية سياسية عميقة. قبل أكثر من ألفي عام، وصف أفلاطون في جمهوريته مجتمعاً حبيساً داخل كهف، يرى ظلالاً على الجدار ويعتبرها الحقيقة المطلقة. لم يكن هؤلاء السجناء أغبياء، بل كانوا في حالة استقرار، حيث الوهم المتماسك ينظم عالمهم ويقلل الاحتكاك، مما يضمن استمرارية المجتمع. وعندما حاول أحدهم التحرر نحو النور واكتشاف مصدر الظلال، لم يُنظر إليه كبطل، بل كتهديد. لم تكن القصة تدور حول الجهل، بل حول السلطة على الإدراك؛ فمن يسيطر على الظلال لا يؤثر فقط في الرأي العام، بل يرسخ استقرار الحضارة بأكملها.

الكهف ليس مجرد استعارة أدبية، بل هو بنية تمثل الطريقة التي تُبنى بها الحقيقة الجمعية. لطالما عمل الإعلان ضمن هذه البنية، حيث لم نصنع الرغبة بل صغنا إطارها، ولم نخترع الطموح بل وجهناه. لم نبع المنتجات فحسب، بل زرعناها داخل أساطير ثقافية؛ فالنظافة أصبحت فضيلة، والارتباط رمزاً للدوام، والجهد طريقاً للسمو. لم يهرب رجل الإعلان من الكهف، بل كان أحد مهندسيه. لعقود، أقنعنا أنفسنا بأن هذا التأثير محدود، وأن المستهلك عقلاني والأسواق كفؤة، وأننا مجرد مستجيبين للطلب. لكن علوم السلوك نسفت هذا الاطمئنان بصمت، إذ أن ما بين 90% و95% من قرارات الإنسان تُتخذ على مستوى اللاوعي. نختار أولاً، ثم نبحث عن مبررات منطقية لاختياراتنا، فالعقل الواعي لا يصنع القرار بل يروي القصة التي حسمها العقل الباطن مسبقاً. هذه ليست فرضية هامشية، بل هي ركيزة أساسية للاقتصاد السلوكي الحديث. هذا يعني أن الإقناع لا يعمل في وضح النهار، بل عبر الاستجابة التلقائية، التعرف على الأنماط، الاختصارات العاطفية، الشعور بالانتماء، قلق المكانة الاجتماعية، وإشارات الهوية. وإذا كان هذا صحيحاً، فإن الإعلان لا يوجه الاختيار فحسب، بل يؤثر في البنية العميقة التي ينبثق عنها الاختيار نفسه.

هنا تكمن المعضلة التي لم تحسمها صناعة الإعلان بعد: هل نحن مهندسو الأساطير أم مجرد وسطاء؟ تأرجحنا بين الغرور والإنكار، ندعي القوة عندما تغير حملاتنا الثقافة، ونتراجع للتواضع ونقول "نحن فقط نستجيب لما يريده الناس" عندما تُثار الأسئلة الأخلاقية. لكننا لم نحسم قط مقدار السلطة التي نمتلكها فعلاً، وهذا اللايقين يضعف الإحساس بالمسؤولية. لذلك، كان الانتقال إلى عصر الذكاء الاصطناعي سلساً بشكل لافت، سميناه كفاءة، تحسيناً، توسعاً. أصبحت الاستهدافات مؤتمتة، والتنوع الإبداعي بلا حدود، والاختبارات لحظية، وانتقلت عملية صقل السرديات من غرف الاستراتيجيين إلى أنظمة تتغذى على البيانات. لكن خلف لغة الابتكار، حدث تحول أعمق: لقد تخلّينا عن ملكية السرد. فالذكاء الاصطناعي لا يُدرَّب على الحقيقة، بل على الانتباه، والانتباه ليس محايداً؛ فالغضب، الخوف، تعزيز الانتماءات القبلية، وانعدام الأمان كلها تجذب الانتباه. هذا ليس فساداً أخلاقياً بقدر ما هو منطق الحوافز؛ فالنظام المصمم لتعظيم التفاعل سيتعلم تلقائياً الإشارات التي تنتج ذلك التفاعل. وإذا كانت هذه الإشارات تعمل داخل اللاوعي، فإن عملية التحسين تتحول إلى تضخيم واسع النطاق لمحفزات اللاوعي.

عندما نجمع حقيقتين: 1. نحو 95% من قرارات الإنسان تتم خارج نطاق الوعي. 2. والذكاء الاصطناعي مصمم لتحسين الاستجابة القابلة للقياس. فإن النتيجة ليست مؤامرة، بل حتمية. لقد بنينا آلة تُحسن الغريزة لا الكرامة، الاستجابة لا الاتساق، والنتائج اللحظية لا العواقب الثقافية بعيدة المدى. الآلة لا تسأل إن كانت الأسطورة تستحق الوجود، بل إن كانت تحقق التحويلات. ولا تسأل إن كانت الرواية تدعم استقرار المجتمع، بل إن كانت سترفع معدل النقرات هذا الربع. يُكافأ مخططو الإعلام على الكفاءة، ومديرو التسويق على الأداء، والوكالات على الاحتفاظ بالعملاء وهوامش الربح. لكن لا يوجد في هذه المنظومة أي مؤشر يقيس صحة الثقافة. وهكذا ينجرف النظام نحو المكافأة السريعة، الاستثارة، وأقصر الطرق إلى الاستجابة. بنية مؤتمتة، قائمة على الحوافز والإدمان على المكافأة.

الخطر الحقيقي ليس أن يصبح الذكاء الاصطناعي واعياً، بل أن يصبح الاستراتيجيون سلبيين. فالماتريكس لن تبنيه الآلات وحدها، بل سيبنيه محترفون يعملون على تحسين مؤشرات ضيقة، داخل قاعات الاجتماعات ولوحات البيانات وعروض الأداء التي تحتفل بالأرقام دون تساؤل عن وجهتها. الكهف لا يحتاج إلى أشرار، بل إلى تحسين غير خاضع للمساءلة. الذكاء الاصطناعي ليس الشرير، بل هو مضاعف؛ سيُضخّم أي هدف نمنحه إياه. إذا كان الهدف سطحياً، فسوف يوسع الإشارات السطحية بكفاءة لا ترحم. أما إذا كان الهدف عميقاً ومتسقاً وقادراً على بناء أسطورة ثقافية ذات معنى، فسوف يوسع ذلك أيضاً. إذن، السؤال ليس: هل الذكاء الاصطناعي قوي؟ بل: هل سيستعيد الاستراتيجيون حقهم في تأليف السرد؟ فالعلامات التجارية لا تبيع المنتجات فقط، إنها تبني المعتقدات، والمعتقدات عندما تنتشر تتحول إلى ثقافة. نقف اليوم بين نظامين: الأول هو العقل البشري، العاطفي، المنحاز، والمدفوع بالقصص. والثاني هو الآلة، الإحصائية، التي لا تعرف التوقف، والمدفوعة بالتوسع. ودورنا ليس أن نعبد أياً منهما، بل أن نترجم بينهما، وأن نضمن أنه عندما تتعلم الآلات ما يحركنا، لا تصبح هي من يقرر من سنكون. الكهف لن يختفي، إنه فقط يتطور، والنار أصبحت قابلة للبرمجة. فإذا لم نتقدم بصفتنا مؤلفين للسرد، واكتفينا بأن نكون فنيين يضبطون المزايدات ويحتفلون بارتفاع مؤشرات الأداء، فسوف نؤتمت الوهم ثم نسميه ابتكاراً. وعندها، لن نكون ضحايا الماتريكس، بل سنكون مهندسيه.

شارك الخبر: