لبنان
ثقافة

الأيقونة المسيحية الشرقية: لغة الألوان واللاهوت المقدس

النهار٢٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٠:٤٤ م0 مشاهدة
الأيقونة المسيحية الشرقية: لغة الألوان واللاهوت المقدس

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الأيقونة في المسيحية الشرقية... لاهوتٌ مكتوب بالألوان" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ آب ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

عند دخولك إلى كنيسة شرقية، تستقبلك مئات العيون الهادئة والمضيئة؛ إنها الأيقونات، الوعاء المشع بالحضور المقدس والنافذة التي تلتقي عبرها السماء بالأرض. كلمة "أيقونة" مشتقة من اليونانية "eikon"، وتعني "الصورة" أو "الشَّبَه". في اللاهوت المسيحي، وخاصة في التقليدين الأرثوذكسي والكاثوليكي الشرقي، تتجاوز الأيقونة كونها فناً دينياً لتصبح أداة ليتورجية، و"لاهوتاً مكتوباً بالألوان".

ما هي الأيقونة المسيحية؟

يكتسب مفهوم الأيقونة في الكنيسة معنى خاصاً، فهي الصورة المقدسة التي تمثل حدثاً إنجيلياً أو حدثاً من الكتاب المقدس، أو شخصية مقدسة، بدءاً بالرب يسوع المسيح ووالدة الإله مريم العذراء، وصولاً إلى الأنبياء والرسل والقديسين، فضلاً عن الأحداث الإنجيلية والعجائب. يقول الباحث في الأيقونغرافيا الأب أثناسيوس شهوان لـ"النهار"، إنه تم الاحتفاظ بتسمية "أيقونة" في اللغة العربية بدلاً من ترجمتها إلى "صورة"، لإعطائها طابعها الكنسي الخاص وتمييزها عن الصورة العادية. ويشير الأب شهوان إلى أن أول حضور لمفهوم الأيقونة نجده في سفر التكوين، عندما قال الله: "نصنع الإنسان على صورتنا"، حيث تحمل كلمة "صورتنا" معنى "Eikon". ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار الإنسان نفسه الأيقونة الأولى، وفي القراءة المسيحية، الرب يسوع المسيح هو الصورة الكاملة التي خلق الإنسان على مثالها.

الأساس التجسّدي

يستند وجود الأيقونة المقدسة برمته إلى عقيدة التجسد، أي الإيمان بأن الله اتخذ جسداً بشرياً مادياً في يسوع المسيح. ففي العهد القديم، سادت محظورات صارمة على صنع الصور، لأن الجوهر الإلهي كان غير منظور. لكن العهد الجديد أحدث تحولاً، فالمسيح هو "صورة الله غير المنظور" كما يكتب القديس بولس. ترسخ هذا الدفاع اللاهوتي خلال الجدل حول تحطيم الأيقونات في القرنين الثامن والتاسع، حين سعى أباطرة بيزنطيون إلى تدمير جميع الصور المقدسة. وقد صاغ القديس يوحنا الدمشقي، أحد أبرز المدافعين عن الأيقونات، هذا التحول الميتافيزيقي قائلاً: "أنا لا أبجّل المادة، بل أبجّل صانع المادة، الذي صار مادةً من أجلي". وثبت المجمع المسكوني السابع (نيقية الثاني، 787م) رسمياً هذا التمييز، حيث أقر بأن الأيقونات تستحق التبجيل القائم على التكريم والاحترام، بينما العبادة الحقيقية لا تستحقها إلا الله وحده.

من أين تستمد الأيقونة جوهرها؟

المرجع الأساسي للأيقونة هو الإنجيل والكتاب المقدس، إضافة إلى سير القديسين والتقليد الكنسي. والأيقونة ليست عملاً يعتمد على المخيلة الحرة للفنان، بل تنطلق من مرجع إيماني واضح. ولا يُنظر إلى من يرسم الأيقونة كفنان فقط، بل كشخص يدخل في مسار روحي، وكان يستعد لها بالصوم والصلاة. لذلك ارتبطت الأيقونوغرافيا تاريخياً بالأديار والرهبان.

لغة الرموز في الأيقونة

يُقال تقليدياً إن الأيقونات "تُكتب" بدلاً من أن "تُرسم"، تأكيداً لدورها كعقيدة نصية متجسدة بصرياً. فما يعلنه الكتاب المقدس بالصوت، تعلنه الأيقونة بصمت. وكل خط ولون وخيار هندسي فيها يعمل ضمن معجم لاهوتي صارم. في المنظور المعكوس للأيقونات، تتلاقى خطوط المنظور أمام الأيقونة، في الموضع الذي يقف فيه المؤمن، مما يجعل المشاهد لا ينظر إلى الأيقونة فحسب، بل تنفتح الأيقونة نحوه، واضعةً الإنسان أمام نظر الله.

دلالات الألوان في الأيقونة

ترمز أوراق الذهب إلى النور الإلهي غير المخلوق والأبدي. وللألوان رمزية واسعة تطورت عبر التاريخ. يرمز الأحمر، إذا كان فاتحاً، إلى الحياة والاستشهاد، بينما يحمل الأحمر القرمزي أو الأرجواني دلالة الملوكية. الأزرق الداكن قد يشير إلى السمو والسماء، ويرتبط أيضاً بالخليقة والبشرية. وقد تظهر ثياب المسيح ووالدة الإله بألوان مختلفة للدلالة على طبيعتهما الإلهية والبشرية. يؤكد الأب شهوان أن هذه القواعد ليست جامدة، وأن هناك أيقونات قديمة لوالدة الإله تظهر بألوان مختلفة. عموماً، الأسود يدل على الموت، والبني على النسك، والأخضر على الحياة الجديدة، والذهبي على النور الإلهي والألوهة، والأبيض على النقاوة والطهارة.

الكتابة والهوية النصية

تبقى الأيقونة غير مباركة وغير مكتملة حتى تحمل هويتها النصية، فالكتابة تربط الصورة المرئية بأصلها التاريخي. تحمل هالة المسيح عادةً الأحرف اليونانية "O On" (الكائن)، وهو الاسم الإلهي، ويحيط بها الاختصار "IC XC"، أي يسوع المسيح. أما العذراء مريم فيُشار إليها بالحرفين "MP ΘY"، أي "والدة الإله".

تشريح التجلّي

يخضع التشريح البشري في الأيقونات لأسلوب مقصود من التنميط؛ تبدو الأجساد ممدودة وخفيفة، والعيون كبيرة ومتسعة تعبيراً عن اليقظة الإلهية، والآذان بارزة للدلالة على الإصغاء لكلمة الله، والأفواه صغيرة ورقيقة إشارة إلى ضبط الشهوات. ومن أبرز روائع هذه الهندسة الروحية أيقونة "الثالوث" لأندريه روبليف، التي تصور الملائكة الثلاثة الذين زاروا إبراهيم، وترتب الشخصيات ضمن دائرة متصلة، داعية المشاهد للمشاركة في الشركة الإلهية.

الأيقونة تتخطى الزمان والمكان

تتخطى الأيقونة الجغرافيا والزمن، فقد نجد داخل الأيقونة الواحدة أشخاصاً لم يعيشوا في الحقبة نفسها. يشرح الأب شهوان أن الأيقونة لا تحاول تسجيل لحظة تاريخية فوتوغرافياً، بل تدخل الحدث في عالم الملكوت، "اليوم الثامن"، خارج حدود الزمن. كذلك، نرى بولس الرسول في بعض أيقونات الصعود أو العنصرة، رغم أنه لم يكن من التلاميذ في تلك اللحظة تاريخياً، إلا أن إدخاله يشير إلى مكانته اللاحقة رسولاً للأمم. هناك رسالة تتجاوز البعد الفني والتوثيق التاريخي إلى معنى خلاصي يتصل بعمل الله الذي يتجاوز الزمن والمكان.

هل يمكن تحويل كل آية إنجيلية إلى أيقونة؟

ليس بالضرورة. هناك أحداث وأشخاص لهم تقليد أيقونوغرافي واضح، لكن ليس كل نص أو آية يتحول تلقائياً إلى أيقونة منفصلة. فالغاية ليست فقط القول إن يسوع تجسد، بل السؤال أيضاً: ماذا حقق هذا التجسد؟ وماذا جاء المسيح ليفعل من أجل الإنسان؟ الأيقونة تحمل "الخبر السار" الذي يدعو الإنسان إلى الصلاة والتوبة والرجاء والنقاوة.

شارك الخبر: