من سؤال طفل إلى إرث فني: رحلة أيمن البيطار في كتابة الأيقونات المقدسة على مدى أربعين عاماً


هذا الخبر بعنوان "من سؤال طفل إلى حرفة العمر... أربعون عاماً في كتابة الوجوه المقدسة" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تبدأ قصة أيقونة العذراء مريم، التي رسمها أيمن البيطار، كلوحة دينية معلقة على جدار الكنيسة، لكن التأمل فيها يكشف عن لغة بصرية عميقة تتجاوز مجرد الصورة. هذه الأيقونات، التي تحمل رموزاً وألواناً وذهباً، تروي روايات دينية كاملة، وترتبط عبر قرون بالصلاة والتأمل وتكريم المسيح والعذراء والقديسين. في سوريا، يعود تاريخ استخدام الصور المسيحية في أماكن العبادة إلى القرون الأولى للمسيحية، حيث عُثر في مدينة دورا أوروبوس على مبنى أعيد تهيئته للعبادة المسيحية نحو عام 232 ميلادياً، وتضم غرفة المعمودية فيه رسوماً مسيحية، منها تصوير للمسيح في هيئة الراعي الصالح ومشاهد من العهد الجديد. تُعد هذه الرسوم من أقدم الشواهد المعروفة عن الفن المسيحي التصويري، وإن كان توصيف المبنى كـ "كنيسة منزلية" لا يزال محل نقاش بين الباحثين.
كانت رحلة تشكيل الأيقونة البيزنطية طويلة، تضمنت وضع قواعد للصورة المقدسة ورمزيتها وتقنياتها، وصولاً إلى مدارس فنية حملت ملامح المناطق التي احتضنتها. بالنسبة للفنان أيمن البيطار، بدأت علاقته بالأيقونة في سن العاشرة، مدفوعاً بسؤال بسيط: لماذا يقف الناس أمام هذه الصور ويصلّون؟ بدأ بيطار محاولاته الأولى في الرسم، واحتفظ بأول عمل له بالألوان الزيتية. بعد دورة استمرت أربع سنوات في مركز صبحي شعيب، حاول دخول كلية الفنون الجميلة في دمشق دون نجاح، فاتجه لدراسة الرياضة. لكن موهبته لفتت انتباه المطران ألكسي عبد الكريم في حمص، الذي شجعه على التخصص في كتابة الأيقونة. في عام 1989، أرسله المطران إلى اليونان للتخصص، حيث عمل لتأمين تكاليف دراسته. هناك، لفتت أعماله أحد أساتذته الذي طلب منه العمل معه في الكنائس لمدة سبع سنوات، مما شكل له مدرسة عملية تعلم فيها الأيقونة من خلال الخشب والجدار واللون وممارسة العمل داخل الكنيسة.
في التقليد المسيحي الشرقي، تشير كلمة "أيقونة" إلى الصورة المقدسة التي تمثل المسيح أو العذراء أو القديسين، أو تصور مشهداً من الرواية الدينية، وهي مشتقة من الكلمة اليونانية "eikōn" بمعنى الصورة أو التمثال. يصرّ بيطار على استخدام تعبير "كتابة الأيقونة" بدلاً من "رسمها"، مؤكداً أن الفنان لا يبدأ من خياله وحده، بل يتبع مرجعيات وقواعد ورموز وتكوينات وألوان تحمل دلالاتها. يقول بيطار: "الأيقونة لوحة دينية روحانية نصور فيها المسيح والعذراء والقديسين وحياة المسيح بالإنجيل، برموز معينة كي تكون جسراً للمصلي والتأمل". لهذا ارتبطت الأيقونة في التقليد المسيحي الشرقي بالصلاة والتكريم والتأمل، ولا تُعبد الأيقونة بحد ذاتها، بل يتوجه التكريم إلى الشخصية المقدسة التي تمثلها، وتبقى العبادة لله وحده. بالنسبة لبيطار، الأيقونة هي وسيلة للتأمل والصلاة، "جسر بين العبد والرب".
يرتبط فن الأيقونة ارتباطاً وثيقاً بالتقليد البيزنطي، لكن انتقاله بين المراكز المسيحية المختلفة في الشرق أنتج أنماطاً محلية. في سوريا، نشأت مدارس وأساليب حملت ملامح بيئاتها المحلية، مثل المدرسة الحلبية، والمدرسة الحمصية، والمدرسة القدسية، ولكل منها سمات في معالجة الخطوط والألوان والتعبير. تحتل حلب مكانة مهمة في تاريخ الأيقونة المشرقية، وتوجد أعمال محفوظة في المتاحف الدولية تربط بعض الأيقونات بالمنطقة، مثل أيقونة في المتحف البريطاني يُرجح أنها من القرن السابع عشر، وأخرى صُنعت في حلب عام 1998. خلف الصورة البسيطة، عملية طويلة ودقيقة تتضمن تحضير السطح بطبقات تأسيسية، واستخدام تقنيات مثل تمبرا البيض والجسو والذهب. يشدد بيطار على ضرورة إنشاء مدارس ومعاهد لحفظ هذه المعرفة ونقلها إلى الأجيال الجديدة.
يحمل بيطار مكانة خاصة لأيقونة "الأربعين شهيداً" في حمص، التي حاول من خلالها تحويل قصة الشهداء إلى مشهد بصري قابل للقراءة بالعين. يصف العمل بأنه النسخة الأولى من هذا التكوين، ولا مثيل لها في العالم. يعمل بيطار حالياً على إنشاء معهد متخصص في سوريا لتعليم كتابة الأيقونة، لضمان استمرارية هذا الفن. فالسؤال الذي بدأ معه وهو طفل أصبح اليوم "من سيحمل هذه المعرفة عندما تتعب أيدي الذين كتبوها؟". من دورا أوروبوس ورسومها المسيحية الأولى، إلى الأيقونة البيزنطية ومدارس حلب وحمص، تبدو سوريا جزءاً من تاريخ طويل للصورة المقدسة، ويتطلب بقاء هذا التاريخ استمرار اليد التي تعرف كيف تصنعها، والعين التي تفهم رموزها، والعقل الذي يعرف لماذا كُتبت بهذه الطريقة.