لبنان
سياسة

سياسة ترامب 'أميركا أولاً': هل تقود إلى نظام دولي أقل اعتماداً على واشنطن؟

النهار٢٤ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٦:٥٢ م0 مشاهدة
سياسة ترامب 'أميركا أولاً': هل تقود إلى نظام دولي أقل اعتماداً على واشنطن؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "هل يدفع ترامب الحلفاء إلى بناء نظام دولي أقل ارتباطا بواشنطن؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ آب ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

قد تؤدي السياسة التي يتبعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحت شعار "أميركا أولاً" إلى نتيجة عكسية للهدف المعلن منها، وهي إضعاف موقع الولايات المتحدة بدلاً من تعزيزه، ودفع دول أخرى إلى بناء ترتيبات سياسية وأمنية واقتصادية تقلل اعتمادها على واشنطن. هذا ما يراه الكاتب والمؤلف الأمريكي زكاري كارابل في تحليل نشرته صحيفة "واشنطن بوست".

يربط كارابل بين تطورات عام 2026، مثل استمرار الحرب مع إيران، واضطراب التجارة العالمية بفعل الرسوم الجمركية، والضغوط الاقتصادية الناتجة عن التضخم وضعف النمو داخل الولايات المتحدة. ويرى أن هذه السياسات لا تعالج مشكلات آنية فحسب، بل قد تسرع تحولاً بدأ يشهد فيه العالم سعي دول مختلفة لتقليص اعتمادها على القوة الأمريكية وتنويع خياراتها في الأمن والتجارة والتمويل.

يستند كارابل في تحليله إلى التحولات في التحالفات الأمنية. فالحرب مع إيران، التي كان يُفترض أن تعزز موقع واشنطن القيادي في الخليج وتوثق تعاونها مع الدول العربية وإسرائيل، بل وتوسع نطاق "اتفاقيات أبراهام"، ذهبت في الاتجاه المعاكس. فقد أدت الحرب وتقلب المواقف الأمريكية إلى زيادة قلق شركاء واشنطن الإقليميين بشأن قدرتهم على الاعتماد عليها مستقبلاً.

ويستشهد كارابل باتفاق دفاعي أبرمته السعودية وتركيا وباكستان، معتبراً إياه نموذجاً لظهور ترتيبات أمنية توفر للدول المشاركة مستوى من التعاون يشبه "الناتو"، ولكن دون مشاركة الولايات المتحدة. ويعكس هذا تغيراً في حسابات حلفاء واشنطن، الذين قد يبدأون ببناء شبكات أمنية مستقلة عندما يشعرون بأن المظلة الأمريكية لم تعد مضمونة.

لا يقتصر هذا الاتجاه على الشرق الأوسط، فالمخاوف من صعود الصين تدفع دولاً آسيوية مثل اليابان والفلبين إلى إعادة صياغة علاقاتها الأمنية، وتوسيع التعاون المباشر بينهما، وتعزيز قدراتهما العسكرية، بدلاً من الاعتماد شبه الكامل على القوة الأمريكية. كما أن موقف ترامب من كوريا الجنوبية، بقرار تقليص التعاون العسكري والحديث الإيجابي عن علاقته بالزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، قد يدفع حلفاء الولايات المتحدة للتساؤل عن مدى استمرارية الالتزامات الأمريكية تجاههم.

يرى الكاتب أن التحول الأكثر أهمية قد لا يكون عسكرياً، بل اقتصادياً، خصوصاً فيما يتعلق بالدولار، أحد أهم أدوات النفوذ الأمريكي. الدول التي تعتمد على الولايات المتحدة في تجارتها وتمويلها ونظام مدفوعاتها أصبحت أكثر اهتماماً بالبحث عن شركاء وأسواق بديلة. كما أن استخدام واشنطن للقدرة المالية والدولار كأدوات للضغط السياسي يدفع بعض الدول إلى البحث عن وسائل تقلل تعرضها لهذا النفوذ.

لا يواجه الدولار خطراً فورياً بفقدان مكانته العالمية، لكن استمرار الاتجاه نحو تنويع العملات والشركاء الماليين قد يؤدي على المدى البعيد إلى نظام مالي أكثر تعدداً وأقل اعتماداً على الدولار، وهو تحول ذو تداعيات استراتيجية كبيرة على الولايات المتحدة. أحد أبرز المخاطر يكمن في سوق الدين الأمريكي؛ فإذا تراجع استعداد الدول والمؤسسات الأجنبية لشراء السندات الحكومية الأمريكية، فقد ترتفع تكلفة تمويل الدين الأمريكي الضخم.

يربط الكاتب بين هذا المسار والتحولات الأمنية، إذ يرى أن تراجع اعتماد الحلفاء على واشنطن في المجال العسكري قد يتبعه تراجع مماثل في ارتباطهم الاقتصادي بها. وهذا قد يضع الشركات والمستثمرين الأمريكيين أمام بيئة دولية أكثر صعوبة، مع احتمال تراجع فرصهم في بعض الأسواق الخارجية.

في الوقت نفسه، قد يوفر تراجع الحضور الأمريكي مساحة أوسع أمام الصين لتعزيز نفوذها في مناطق مختلفة، ليس فقط عبر التجارة والاستثمار، بل أيضاً بتوسيع حضورها السياسي والدبلوماسي والأمني.

يلفت كارابل إلى مفارقة أساسية: ما قد يمثل خسارة للولايات المتحدة ليس بالضرورة خسارة للنظام الدولي ككل. فبعد الحرب العالمية الثانية، لعبت واشنطن دوراً مركزياً في بناء نظام عالمي أصبحت هي القوة الرئيسية فيه. أما سياسات ترامب، التي تستهدف تقليص الالتزامات الخارجية وزيادة استقلال الولايات المتحدة، فقد تدفع الدول الأخرى إلى تقليل اعتمادها على واشنطن، والمساهمة في بناء نظام عالمي أكثر تعدداً.

تكمن المفارقة في أن الرئيس الذي يريد تقوية موقع أمريكا قد يسرع، من حيث لا يريد، عملية توزيع النفوذ بعيداً عنها. فكلما استخدمت واشنطن أدوات الضغط، وكلما خفضت التزاماتها الأمنية، زادت دوافع الحلفاء لبناء بدائل مستقلة.

خلاصة التحليل هي أن سياسة "أميركا أولاً" قد تحقق مكاسب تفاوضية قصيرة الأمد، لكنها تحمل احتمالا استراتيجياً مختلفاً: أن يتعلم حلفاء الولايات المتحدة كيفية العمل من دون الاعتماد عليها، وأن تتوسع أمام الصين وغيرها مساحة النفوذ التي كانت تشغلها واشنطن. وقد تجد الولايات المتحدة نفسها أمام عالم أكثر استقلالاً عنها، لا لأن خصومها نجحوا في إزاحتها، بل لأن سياساتها دفعت شركاءها تدريجياً إلى البحث عن نظام لا تكون واشنطن مركزه الوحيد.

شارك الخبر: