الأيقونة القبطية: فن عميق يتجاوز الألوان والذهب إلى الرمز والعقيدة


هذا الخبر بعنوان "سبع طبقات من الصّبر... كيف تُصنَع الأيقونة القبطيّة؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في معهد الدراسات القبطية بالقاهرة، الذي تأسس قبل أكثر من سبعة عقود، تُدرّس الأيقونة القبطية كفن وعلم في آن واحد. يتناول المنهج تاريخها، بنيتها التصميمية واللونية، رموزها، وأبعادها العقائدية والليتورجية. في قسم الفن القبطي، يبدأ الفنان رحلته من المعرفة قبل أن يمس الفرشاة، مدركاً أن كل تفصيلة في الأيقونة تحمل معنى ودلالة عميقة.
تتميز الأيقونة القبطية بخصوصية واضحة تميزها عن المدارس البيزنطية والروسية، وتتمثل أبرز سماتها في التسطيح، والبعد عن التجسيم، والبساطة في اختزال العناصر، والرمزية العالية. فالعينان، على سبيل المثال، ليستا مجرد تفصيل، والخلفية الذهبية ليست مجرد اختيار لوني، بل تحمل دلالات مرتبطة بالسماء والمجد. تتوزع الرموز داخل الأيقونة لتروي جوانب من حياة الشخصية الممثلة، حتى الحيوانات قد تتحول إلى مفاتيح لفهم القصة، كالأسد في أيقونة القديس مرقس.
يؤكد الدكتور عماد فاروق، أستاذ ورئيس قسم الفن القبطي في المعهد، أن الفنان لا يملك حرية مطلقة في إعادة تشكيل الشخصيات الدينية وفق خياله، بل يخضع لأسس وقواعد لاهوتية وليتورجية وتشريحية تحكم العمل. يقرأ الفنان الإنجيل وسيرة القديس قبل الرسم، ويتتبع الأحداث والرموز لترجمتها بصرياً. وفي حال وجود طلب لرسم مشهد يخرج عن الأسس العقائدية، يعود الفنان للمرجعية اللاهوتية. تُناقش بعض الأعمال في حلقات تضم متخصصين لاهوتيين لضمان سلامة المضمون.
تستطيع الأيقونة القبطية أيضاً التعامل مع أحداث معاصرة ضمن مرجعيتها اللاهوتية والفنية، كما يتضح في أيقونة شهداء مصر في ليبيا، أو في تمثيل شخصية البابا شنودة الثالث. هذا الفن لم يتشكل دفعة واحدة، بل تطور عبر مراحل تاريخية، بدءاً من نماذج قديمة نادرة تعود للقرن السادس، مروراً بأسماء بارزة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر مثل يوحنا الأرمني وإبراهيم الناسخ، وصولاً إلى محاولات إحياء الفن القبطي الحديث في القرن العشرين مع فنانين مثل إيزاك فانوس، يوسف نصيف، بدور لطيف، وجلال رمزي.
تعتبر تجربة إيزاك فانوس مفصلية في ترسيخ مدرسة فنية قبطية حديثة، حيث جمع بين دراساته وخبراته واهتمامه بالفن المصري القديم ليؤسس أسلوباً مصرياً واضحاً. امتدت هذه التجربة إلى تلامذته الذين أصبحوا فنانين ومدرسين بارزين في مجال الأيقونة القبطية حول العالم.
وراء الأيقونة النهائية رحلة تحضير دقيقة تبدأ بتجهيز سطح الخشب والقماش، ثم وضع سبع طبقات من مادة جيلاتينية خاصة، مع فترات تجفيف وصقل. تليها مرحلة التخطيط باستخدام المسطرة والبرجل والقياسات الهندسية ودراسة التشريح لضبط النسب. ثم تبدأ عملية التلوين بتقنية التمبرة واستخدام أصباغ وأكاسيد محضرة بعناية، تتبعها مرحلة التذهيب وإظهار التفاصيل.
تختلف مدة إنجاز الأيقونة من أسبوعين إلى أكثر من شهر، حسب حجم العمل وتفاصيله وخبرة الفنان. أما السعر، فيتحدد وفقاً للحجم، المواد، كمية الذهب، وتعقيد المشاهد، وقد تبدأ الأعمال الصغيرة من بضعة آلاف من الجنيهات المصرية.
تكمن إحدى التجارب المثيرة في قدرة الأيقونة على تحويل النصوص الدينية إلى صور بصرية. لا يقتصر العمل على إعادة إنتاج شخصيات معروفة، بل تُدرس نصوص مثل
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة