لبنان
منوعات

من

النهار٢٣ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٥:٣٤ م0 مشاهدة
من

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الغوازي الجدد في فضاء "الهراء": "عوالم" السوشال ميديا" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ آب ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لم يعد المستخدم مجرد متلقٍ سلبي في عالم وسائل التواصل الاجتماعي، بل أصبح جزءاً لا يتجزأ من دورة الإنتاج. لقد تغيرت علاقتنا بالشهرة، والجسد، والخصوصية، وحتى مفهوم "الموهبة" ذاته. لم يعد المشهد الرقمي يكتفي بعرض حياة الناس أو تحويل الحياة الخاصة إلى مادة عامة، بل دخلنا مرحلة أصبح فيها الانتهاك والفضيحة والانهيار العائلي والجسد أداةً للفت الانتباه، والتهريج بديلاً من الموهبة.

نشهد نماذج متعددة، مثل امرأة تسلّع جسدها بحجة إجراء تجميلي، وزوجين يختلفان أمام الجمهور وتُستدعى خلافاتهما الزوجية إلى شاشة الهاتف، وشخصية معروفة تحوّل نفسها لمادة للفرجة، وممثل صاحب تاريخ فني طويل ينخرط في سباق الهدايا الرقمية. المشكلة ليست في أن الناس أصبحوا سيئين، بل في أن منظومة كاملة تكافئ الأكثر إثارة لا الأكثر قيمة، والأكثر صدمة لا الأكثر موهبة، والأكثر قدرة على صناعة الضجيج لا الأكثر قدرة على صناعة المعنى.

لفهم كيف تآكلت مقاييس القيمة لصالح "الهراء"، من المفيد العودة إلى التاريخ. في العصرين العثماني والمملوكي في مصر، كانت "العالمة" سيدة مثقفة تحفظ الشعر وتجيد الغناء الكلاسيكي وتتقن العزف، ومهمتها تثقيف نساء الطبقة الأرستقراطية والترفيه عنهن. على النقيض، كانت "الغوازي" نساء يمتهنّ الرقص في الشوارع والموالد والساحات العامة. في عام 1834، أصدر محمد علي باشا قراراً بمنع عملهن في شوارع القاهرة ونفيهن إلى الصعيد. للتحايل على القرار، عادت "الغازيّات" لتقديم عروضهن في العاصمة بستار أنهن "عالمات"، حتى ذابت الخطوط الفاصلة بين الفئتين. انقرضت "العالمة" المثقفة الأصلية واحتلت مكانها "الغازية" التي أصبحت مرتبطة بالكباريهات.

المشهد عينه يتكرر اليوم على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث كل ما يمكن تحويله إلى انتباه قابل للتحويل إلى مال، نظّم عمل "الغوازي" ومنحه مؤشرات أداء وجمهوراً، ثم قدّمه كمهنة "صناعة المحتوى". الخطر ليس في وجود الغوازي أو الهراء، بل في محو الفارق بين "الغازية" و"العالمة"، مما دفعنا للسقوط في زمن "الهراء" وما زلنا ننحدر فيه.

في مقالته الشهيرة "On Bullshit"، يميّز الفيلسوف الأميركي هاري فرانكفورت بين الكاذب ومنتِج الهراء. الكاذب يعرف الحقيقة ويحتاج إليها ليقلبها، أما منتِج الهراء فلا تشغله صحة قوله بل الأثر الذي سيتركه. وهكذا، فإن "الفاشنيستا" أو "الفود بلوغر" المبتذل لا يكذب بالضرورة، بل لا يكترث بما إن كان المنتج جيداً أو المحتوى يمتلك قيمة جمالية أو فنية. الحقيقة خارج حساباته تماماً، كل ما يهمه هو "الاستعراض" وتحقيق التفاعل الذي تحوّله الخوارزميات إلى أموال.

يتقاطع فرانكفورت هنا مع مفهوم إدارة الانطباع لدى عالم الاجتماع إرفينغ غوفمان. المنصة الرقمية ألغت نهاية العرض، فلم يعد هناك ستار يُسدل أو كواليس ينسحب إليها المرء. يجب أن يبقى المؤثر أو صانع المحتوى مشهوراً وثرياً ومرغوباً ومثاراً للجدل على مدار الساعة. وهكذا لا يبيع معلومة أو تجربة بقدر ما يبيع من ذاته، كالجسد أو العائلة أو حتى السمعة، فالفضيحة يمكن أن تصبح رأس مال أولياً. يجري امتصاصها وإعادة سردها وتحويلها إلى متابعة، ثم إلى منتجات وعقود وهويّة تجارية، وأرباح يسهم الجمهور المتضرر منها بها. هنا المستخدم ليس مجرد متلقٍ بريء، فأنا وأنت، جزء من دورة الإنتاج!

شارك الخبر: