الهجرة إلى ليبيا: طرق جديدة ومخاطر متزايدة رغم تشديد الرقابة


هذا الخبر بعنوان "تُغلق طريق فتُفتح أخرى... كيف تتغير الهجرة إلى ليبيا؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣١ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
على الرغم من تشديد الإجراءات الأمنية والرقابة على الحدود الليبية، لم تشهد تدفقات الهجرة تراجعًا، بل على العكس، ارتفعت حركة الدخول إلى ليبيا عبر الحدود البرية بنسبة 23% خلال الربع الثاني من العام. وتشير بيانات المنظمة الدولية للهجرة إلى تحولات واضحة في طرق العبور ووجهات المهاجرين، مما يجعل الرحلات أطول وأكثر خطورة واعتمادًا على المهربين.
طرق أطول وكلفة أعلى:
كشف تقرير للمنظمة الدولية للهجرة بعنوان "اتجاهات الهجرة على الحدود الليبية" عن تراجع حركة الدخول عبر الحدود مع النيجر بنسبة 18%، وذلك بسبب تكثيف العمليات الأمنية والاعتقالات وتشديد الرقابة. في المقابل، شهدت الحدود مع تشاد زيادة في أعداد القادمين، حيث ارتفع عدد الوافدين من تشاد إلى الكفرة بنسبة 8%، ومن إقليم بوركو-إنيدي-تيبستي شمال تشاد إلى مرزق الليبية بنسبة 28%. وبات المسار التشادي يمثل 36% من طرق الدخول إلى ليبيا، متجاوزًا المسار المصري (34%) والمسار النيجري (19%).
ويعلق الحقوقي الليبي المتخصص في ملف الهجرة، طارق لملوم، بأن "المقاربة الأمنية تستطيع الضغط على مسار معين أو تعطيله لفترة، لكنها لم تنجح في وقف حركة الهجرة نفسها". وأوضح لملوم أن شبكات التهريب "تتكيف سريعًا مع الإجراءات الأمنية، فعندما يتعرض طريق للضغط، تتغير نقاط الدخول وطرق النقل والوسطاء، وبالتالي فإن تراجع الحركة على أحد المسارات لا يعني بالضرورة انخفاض أعداد الوافدين".
ومع تشديد الرقابة على الحدود مع النيجر، لجأ المهاجرون إلى طرق صحراوية أطول عبر تشاد، مما رفع كلفة الرحلات ومخاطرها، وفقًا لتقرير المنظمة الذي أشار إلى تسجيل حالات وفاة مرتبطة بالجفاف والظروف الصحراوية القاسية. ويشير لملوم إلى أن هذه الإجراءات قد تدفع المهاجرين إلى استخدام طرق أكثر صعوبة وخطورة، مع زيادة الاعتماد على المهربين.
تزايد الحركة عبر الحدود الغربية والشرقية:
في الشرق، ارتفعت حركة الدخول من مصر بنسبة 6%، مدفوعة بفرص العمل ومشاريع الإعمار في شرق ليبيا. كما سجلت نقاط المراقبة وصول أعداد محدودة من السودانيين إلى الكفرة عبر طرق غير رسمية، رغم الإغلاق الرسمي للمعابر مع السودان.
أما الحدود الغربية، فشهدت زيادة لافتة، حيث ارتفعت حركة الدخول عبر تونس بنسبة 28%، بينما زادت الحركة عبر الجزائر بأكثر من الضعف. وتتداخل هذه الحركة مع التجارة غير الرسمية والروابط الاجتماعية والاقتصادية القديمة بين المجتمعات الحدودية، فضلاً عن شبكات تهريب السلع والمركبات، مما يجعل الحدود الغربية فضاءً تختلط فيه الهجرة بالاقتصاد الحدودي.
دوافع الهجرة ووجهات المهاجرين:
تستند نتائج التقرير إلى 380 مقابلة مباشرة مع مهاجرين وصلوا إلى ليبيا عبر الحدود البرية. وأفاد 54% منهم بأن لديهم أفرادًا من أسرهم يقيمون بالفعل في ليبيا، بينما قال 82% إن أسرهم أو أصدقاءهم في بلدانهم الأصلية شجعوهم على الهجرة. ويظل العامل الاقتصادي المحرك الأبرز، إذ أفاد 93% من المهاجرين بأن الأسباب الاقتصادية كانت دافعهم الرئيسي، وكان 82% منهم دون سن الثلاثين. واستعان 76% بخدمات ميسّري الهجرة، وبلغ متوسط كلفة الرحلة نحو 435 دولارًا، بينما موّل نصف المهاجرين رحلاتهم جزئيًا أو كليًا بالاقتراض.
ليبيا وجهة للعمل أم محطة إلى أوروبا؟
يشير التحول الأهم إلى مستقبل رحلة المهاجر، فقد ارتفعت نسبة من ينوون البقاء في ليبيا من 29% في الربع الأول إلى 39% في الربع الثاني، بينما لم تتجاوز نسبة من يخططون لمواصلة الرحلة إلى أوروبا 8%. وقال 47% إنهم لا يملكون خطة محددة لوجهتهم المقبلة. لكن لملوم يتحفظ على تفسير هذه المعدلات كمؤشر إلى تحول ليبيا إلى بلد استقرار دائم للمهاجرين، موضحًا أن "بعض القادمين، خصوصًا من دول الجوار مثل مصر والنيجر وتشاد، يدخلون ليبيا أساسًا للعمل، ثم يعودون إلى بلدانهم بعد فترة. كما اضطر بعض السودانيين إلى البقاء بسبب الحرب وعدم توافر خيارات آمنة للعودة"، مؤكدًا أن عدم حسم الوجهة لا يعني تلقائيًا أن المهاجر يخطط للوصول إلى أوروبا.
أرقام موسمية أم تحول دائم؟
يؤكد توزيع الجنسيات استمرار هيمنة دول الجوار على حركة الدخول، حيث حل المصريون أولاً بنسبة 32%، يليهم مواطنو النيجر بنسبة 30%، ثم التشاديون بنسبة 11%. وبلغت نسبة السودانيين والتونسيين 5% لكل منهما، بينما شكّل الجزائريون أقل من 1%. ومن بين القادمين من دول غير مجاورة، شكّل مواطنو نيجيريا 7%، والماليون 4%، والبوركينابيون 3%.
ويتحفظ لملوم كذلك على اعتبار التغيرات المسجلة خلال فصل واحد تحولات دائمة في مسارات الهجرة، موضحًا أن "الحركة مع دول الجوار تتأثر بالموسم والأوضاع الأمنية وفرص العمل ونشاط شبكات التهريب والإجراءات على جانبي الحدود". ويرى أن السودان "يمثل حالة مختلفة بسبب الحرب والنزوح، بينما ترتبط الحركة من تشاد والنيجر تاريخيًا بالعمل الموسمي والدخول إلى ليبيا ثم العودة، ما يجعل الحكم على وجود تحول مستقر بحاجة إلى بيانات تمتد لعدة أرباع سنوية أو سنوات".
وفي سياق أوسع لتغير تركيبة المهاجرين، تشير أرقام السوريين المسجلين لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى تحول آخر، حيث انخفض عددهم من نحو 14,300 في عام 2020 إلى 3,526 حتى آب/أغسطس 2026، بتراجع يقارب 75%، مع خروج بعضهم إلى دول ثالثة أو عودتهم إلى سوريا، ومغادرة آخرين عبر البحر نحو أوروبا.
ويخلص لملوم إلى أن الهجرة في ليبيا "لا يمكن إدارتها أمنيًا فقط"، موضحًا أن "الاعتقالات والمداهمات والترحيل وتشديد الحدود قد تغيّر الحركة مؤقتًا، لكنها لا تعالج أسبابها". ويؤكد أن البيانات تعكس "قدرة المهاجرين وشبكات التهريب على التكيف مع القيود أكثر من تراجع دوافع الحركة نفسها".
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة