«البرانية»: فيلم مصري عن تمسك العائلة بالأرض في مواجهة تحديات الحياة المعاصرة


هذا الخبر بعنوان "البندقية 83 - "البرانية": عن الذين "مش بتوع بلكونة"!" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
فيلم «البرانية»، المعروض ضمن قسم «أيام المؤلفين» في الدورة الثالثة والثمانين لمهرجان البندقية السينمائي، يقدم حكاية مؤثرة لعائلة مصرية تتمسك بأرضها، متناولاً قضايا الانتماء، والرحيل، وقيمة العيش البسيط. تذهب المخرجة أشجان الهمص إلى قرية مصرية محاطة بحقول القمح لتقدم فيلماً يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه يثير أسئلة عميقة حول الأرض، والرحيل، والأسرة، وما يبقى للإنسان حين تضيق به خيارات الحياة.
تتعامل الهمص مع شخصياتها بحنان، متجنبةً استغلال ضعفهم لتقديم «سينما البؤس». الشخصيات تبدو وكأنها تعيش أمام الكاميرا، لا تؤدي أدواراً. الأب يلخص موقفه بعبارة: «ما عندناش أرض للبيع»، معبراً عن تمسكهم بما يملكون. الفيلم يتولد من أحاسيس بسيطة، وتفاصيله الجميلة تجعلنا ننسى قربه من الوثائقي، مستحضراً عبارة جان لوك غودار عن تداخل الروائي والوثائقي.
يعيد الفيلم بعض المشاهد والمواقف، لكن الإضافة تكمن في تنامي الشعور لدى المشاهد، ليصبح التكرار بناءً درامياً خفياً. الفيلم يلعب على توقعاتنا، تاركاً إيانا في حالة ترقب لا تجد تفريغها التقليدي، ليؤكد أن الخطر الحقيقي قد لا يكون حدثاً درامياً، بل تأكلاً بطيئاً للواقع. يأتي الخطر في هيئة رجل يريد شراء الأرض، محولاً الصفقة العقارية إلى استعارة عن عالم يريد انتزاع معنى الحياة من الرجل. في المقابل، هناك وعد بالمدينة والحياة الجديدة، لكن الأم تحسم الأمر بعبارة: «نحن مش بتوع بلكونات».
الأرض في الفيلم تتجاوز كونها ملكية لتصبح الذاكرة، العائلة، العمل، والانتماء. الفيلم يدرك أن الرحيل قادم، فالابنة تعبر عن أن مصير الجميع هو الرحيل، حتى مع مولودها الجديد. ذهابها إلى القاهرة يبدو محاولة لملامسة عالم آخر، لكنها قد تكتشف زيف المدينة. قد يكون من الأفضل فهم الأطفال بشكل أعمق، لكن الفيلم يختار عدم شرح كل شيء.
من أجمل ما في «البرانية» التقاطه للطقوس، مثل مشهد العزاء عند موت الجدة، الذي يكشف عن سينما تصون الأشكال الأصيلة وتعرف أن الطقس الشعبي يحمل دراما كاملة. الفيلم يبني عالماً بصرياً خاصاً به، يقدم الريف المصري بلا ماكياج. يتكثف الفيلم في حوار بين الجدة وحفيدتها حول السعادة، حيث تقول الجدة: «لا تعتقدي أن هؤلاء سعداء»، وترد الحفيدة: «لم أقل ذلك»، فتجيب الجدة: «لم تقولي، ولكن فكرتِ فيها».
توضح أشجان الهمص أن «البرانية» هي قريتها، وأن زيارتها لها جعلتها تشعر بالانتماء. وسط عائلة تعيش في مساحة صغيرة، وجدت معنى التضامن الذي افتقدته في حياة أكثر فردانية. الفيلم هو دفاع عن العيش البسيط ونقد للرأسمالية، مما يمنحه صدقه. إنه فيلم غير مدّعٍ، يثق بشخصياته ومكانه وإيقاعه وطقوسه، مذكراً بأن الأفلام العظيمة لا تحتاج بالضرورة إلى قصص كبيرة، بل إلى أقل الأشياء.
ينتهي الفيلم ليتركنا نتساءل عن مصير العائلة، ومن سيرحل ومن سيبقى. لعل الجواب الوحيد هو أن المائدة ستظل عامرة، وأن الضحك سيعلو حولها مهما حدث، وهذا هو مأساة الفقراء وخلاصهم في آن واحد.
ثقافة
سياسة
ثقافة
ثقافة