لبنان
ثقافة

من باب سجن صيدنايا إلى معرض دمشق: هل نحن مستعدون لـ "أكل همّ بعض"؟

المدن١٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٩:٠٦ ص0 مشاهدة
من باب سجن صيدنايا إلى معرض دمشق: هل نحن مستعدون لـ "أكل همّ بعض"؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "هل يجب أن "نأكل همّ بعض"؟" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ أيلول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لم يكن الباب مجرد قطعة خشب أو حديد انتُزعت من مكانها، بل أصبح شاهداً على زمن انتهى سياسياً في معرض دمشق الدولي. هذا الباب، الذي نُقل من سجن صيدنايا، يحمل قصصاً لمن مروا من خلفه أو انتظروا خروج أحبائهم منه. عندما رأت امرأة اسم أخيها محفوراً عليه، انهارت وطلبت أن تأخذه معها، في مشهد تجاوز حدود المعرض واللحظات الإنسانية التي تصلح للكاميرات. لم تعد المسألة تتعلق بما يجب تذكره عن سجون الأسد، بل بما نفعله بالناس عندما نعيد إليهم ما حاولوا التعايش مع غيابه لسنوات.

ربما لم تفكر المرأة في أسئلة الذاكرة الجماعية أو أهمية التوثيق أو ضرورة عدم نسيان الجرائم، وهي أسئلة يطرحها من هم خارج التجربة. هي رأت اسم أخيها، وهذا كافٍ ليعود العالم إلى لحظة واحدة: أين هو؟ ماذا حدث له؟ هل لمس هذا الباب؟ هل كتب اسمه خوفاً من أن يختفي بلا أثر؟ لا نعرف ما إذا كانت قد خرجت تبكي، أو كيف استوعبت ما حدث لها، أو من عاد معها، أو ما قيل لها لتخفيف وطأة لقاء اسم أخيها على باب سجن بعد غياب طويل. لكن المؤكد أن المشهد أثر فينا جميعاً، وربما بكينا أمام الفيديو، بينما ستبقى هي مع الباب.

في الثقافة السورية، تُقال عبارة "ما بدي آكل همك"، وهي لا تعني عدم الشعور بالحزن، بل شيئاً أكثر قسوة: الهمّ شيء يمكن أن تأكله، يبتلعه المرء رغماً عنه ليصبح جزءاً من يومه ونومه وأفكاره. عندما تأكل هم شخص آخر، فإنك لا تصبح مجرد متعاطف، بل تحمل جزءاً من ثقله، وكأن المصيبة لم تعد ملكه وحده. وهذا هو السؤال الذي تطرحه سوريا اليوم: هل نحن مستعدون فعلاً لأن نأكل همّ بعض؟

لقد اعتدنا في زمن الأسد على شكل آخر من الذاكرة: النسيان، الصمت عن المعتقل، وخفض الأصوات عند ذكر المختفين. كانت العائلات تتعلم كيف تعيش بجانب السؤال، لا كيف تجيب عنه. كانت الصورة المخبأة، الورقة القديمة، الاتصال المجهول، الشائعة، وعبارة "الله يفرجها" هي كل ما تبقى. ثم سقط النظام، وبدأت مرحلة معاكسة تماماً؛ أصبح كل شيء مرئياً. فُتحت السجون، وصُورت الزنازين، وجُمعت الأوراق والملابس وبقايا الأسرّة والأبواب وأدوات التعذيب. ما كان مخفياً أصبح معروضاً أمام الجميع. وهذا ضروري، فلا يمكن لسوريا أن تبني مستقبلاً بدفن أدلة الجريمة، ولا يمكن مطالبة الضحايا بالنسيان لراحة الآخرين، ولا مسح صيدنايا من الذاكرة لأن النظر إليها مؤلم.

المشكلة ليست في عرض آثار الجريمة، بل في الاعتقاد بأن عرض الألم هو نفسه الاعتناء بمن عاشه. وبين إخفاء الذاكرة وتحويلها إلى معرض، توجد مساحة كاملة اسمها الرعاية، ولم ندخلها بعد. تستطيع الدولة نقل باب من صيدنايا إلى دمشق، وتنظم المؤسسات معارض، وينقل الإعلام الدموع، ويزور الناس المكان ويخرجون متأثرين. لكن ماذا عن الشخص الذي لم يزر المعرض كزائر، بل وجد نفسه فجأة داخل المعروضات؟ هذه هي المفارقة التي نخشاها. يمكن للذاكرة أن تكون عدالة، توثيقاً، وضمانة لعدم التكرار، لكنها قد تتحول إلى إعادة إنتاج للعنف إذا استدعينا الضحية إلى جرحها ثم تركناها وحدها. هناك فرق بين قول "لن ننسى ما حدث لك" و"سنساعدك على العيش بعد أن نتذكره". الأولى سهلة، والثانية مشروع بلد.

في المستقبل، ستصبح سوريا مليئة بالذاكرة: متاحف، مراكز توثيق، أفلام، شهادات، كتب، صور، محاكمات، ومناسبات سنوية لإحياء ذكرى المجازر والسجون والمفقودين. ستظهر أسماء وقصص لم تروَ سابقاً، وسنكتشف أن حجم ما حدث أكبر مما تخيلنا. لكن الخطر يكمن في أن نتحول إلى بلد يعيش داخل متحف مفتوح لماضيه، حيث كل جدار شاهد، وكل باب أثر، وكل مناسبة استدعاء، وكل صورة مناسبة للبُكاء. ننتج ذاكرة ضخمة، ثم نكتشف أن الناس الذين صُنعت هذه الذاكرة من أجسادهم وحياتهم لا يزالون وحدهم. فماذا نفعل حين تنهار امرأة لرؤية اسم أخيها؟ هل نصور المشهد ونصفق لنجاح المعرض؟ هل نعتبر دموعها دليلاً على وصول الذاكرة لهدفها؟ أم نسأل عن من سيأكل همها بعد انتهاء التصوير؟

لقد عاش السوريون وهم يتعلمون كيف ينجون وحدهم. كل عائلة حملت همها، وكل معتقل صار قضية أهله، وكل قتيل صار صورة، وكل مدينة أحصت موتاها دون انتظار كثير من الآخرين. ربما تكون المهمة الأصعب في سوريا الجديدة هي أن نتعلم العكس: أن نأكل همّ بعض. ليس بمعنى العيش في الحزن الأبدي، أو الغرق في ماضٍ لا ينتهي، بل فهم أن فتح باب الذاكرة مسؤولية. من يفتح الباب لشخص قد يجد خلفه أخاه أو ابنه أو سنوات عمره، لا يستطيع بعدها أن يدير ظهره ويقول: انتهى المعرض. في اللحظة التي وجدت فيها المرأة اسم أخيها على الباب، لم تكن جدران صيدنايا وحدها التي تكلمت، بل سوريا كلها كانت تسأل: ماذا سنفعل بمن سيعود إليهم الماضي فجأة ونحن نقف نتفرج؟ لا يكفي أن نقول إننا لن ننسى. السؤال الحقيقي هو: عندما تعود الذاكرة لتأكل قلب أحدنا، هل سنتركه يأكل همّه وحده؟

سيكون الماضي حاضراً في المناهج، المتاحف، الخطابات، المناسبات الوطنية، أسماء الشوارع، والنقاشات السياسية، وربما السياحة. ستصبح سوريا قادرة على عرض ما حدث لها للعالم، ولكن هل ستكون قادرة على العيش مع الذين حدث لهم ذلك؟ هناك فرق بين بلد يتذكر ضحاياه وبلد يعرف كيف يعيش إلى جانبهم. الأول يقيم معرضاً، والثاني يعرف متى يغلق باب المعرض ويذهب مع المرأة إلى بيتها. لذلك، لا أخاف على سوريا من أن تتذكر كثيراً بقدر ما أخاف من أن تتذكر بطريقة مريحة: وضع الألم في مكان مخصص، إضاءته جيداً، كتابة شرح مناسب، تصويره، البكاء أمامه، ثم المغادرة مطمئنين بأننا لم ننسَ. كأن الذاكرة بمجرد عرضها تكون قد أدت وظيفتها. معنى "أكل الهم" هو ألا نكتفي بمعرفة أن لك أخاً مات في سجن، أو أباً اختفى، أو ابناً خرج ولم يعد كما كان. ألا نحول مصيبتك إلى ذاكرة عامة ثم نعيدها إليك في نهاية اليوم. أن نأكل منها قليلاً. لأن سوريا التي ستبني ألف متحف للماضي ولا تجد طريقة لحمل أحياء الماضي، ستبقى مهما تغيّرت أبوابها تعيش داخل السجن نفسه.

شارك الخبر: