عندما يُسلب قرار الدولة: لبنان يدفع ثمن حروب الآخرين وأوراق القوة المفقودة


هذا الخبر بعنوان "حين يُسلب قرار الدولة… تسقط أوراق القوة" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يُثار تساؤل جوهري حول الفرق بين المقاومة الهادفة لتحرير أرض لبنانية وبين تنظيم ينخرط في حروب إقليمية كحرب غزة وطهران، مستخدماً لبنان كساحة لدفع ثمن حسابات محور إقليمي. في هذا السياق، يبرز الخلاف حول رواية الأحداث، هل تبدأ من التنازلات التفاوضية أم من اللحظة التي فقدت فيها الدولة حقها الحصري في تقرير الحرب والسلم؟
بعد الانسحاب الإسرائيلي عام 2000 واعتماد الخط الأزرق، كان يُفترض أن تبدأ مرحلة الدولة، حيث يعود الجنوب إلى كنفها وتصبح المؤسسات الشرعية هي الجهة الوحيدة المخولة بقرار الحرب والسلم. لكن الوجود والنفوذ السوريين حالا دون ذلك، واستمرت معادلة «المقاومة» ومنع الانتقال الكامل إلى حصرية القرار بيد الدولة. تفاقمت هذه المشكلة السيادية، خاصة بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005، وفي تموز 2006، أقدم حزب الله على عملية عبر الحدود دون قرار حكومي، مما أدخل لبنان في حرب مدمرة. انتهت الحرب بالقرار 1701، الذي كان يهدف إلى بسط سلطة الدولة، لكن حزب الله احتفظ بسلاحه وقراره المستقل، مما حال دون تحقيق الغاية السيادية الكاملة.
شكلت أحداث 7 أيار 2008 كشفاً إضافياً للمشكلة الداخلية، حيث رد الحزب وحلفاؤه على قرارات الحكومة باستخدام السلاح، مما طرح تساؤلاً حول قدرة الدولة على ممارسة سلطتها في مواجهة القوة المسلحة. ورغم الهدوء النسبي الذي ساد لسنوات، وصولاً إلى ترسيم الحدود البحرية عام 2022، إلا أن قرار حزب الله بفتح جبهة الجنوب تحت عنوان «إسناد غزة» بعد 7 تشرين الأول 2023، دون قرار دولة، أدى إلى حرب مدمرة وتهجير ودمار واسع.
انتهت الحرب في 27 تشرين الثاني 2024 بترتيبات لوقف الأعمال العدائية، قبلتها الدولة والحزب عملياً، وأدار نبيه بري الجانب التفاوضي بالتنسيق مع حكومة نجيب ميقاتي. جاء الاتفاق في ظل ميزان قوى بالغ السوء، أقرب إلى الإذعان منه إلى شروط طرف منتصر. ثم جاءت كارثة آذار 2026 عندما دخل حزب الله الحرب مجدداً في سياق الحرب الإيرانية مع إسرائيل والولايات المتحدة، تحت عنوان إسناد إيران والانتقام لمقتل خامنئي، مما يصعب معه وصف ما جرى بأنه «مقاومة لبنانية» بالمعنى الحقيقي.
بعد حرب آذار، وجد لبنان نفسه أمام كارثة شملت احتلال أجزاء واسعة من الجنوب، دماراً وتهجيراً، وتهديداً للاقتصاد وسيادة منتهكة. دفع هذا الوضع الدولة إلى المفاوضات، ليس حباً بالتنازل، بل لوقف الحرب والدمار، ومنع توسع الاحتلال، وحماية ما تبقى من الاقتصاد.
في مواجهة انتقادات حليمة قعقور حول التخلي عن «أوراق القوة» القانونية والدبلوماسية، يؤكد المقال أن القانون ضروري، لكنه لا يمكن أن يكون بديلاً عن حماية الحياة، ولا يملك ترف الوقت لانتظار تحرك المحاكم فيما البلد يخسر ما تبقى من قراه واقتصاده. السؤال ليس فقط لماذا التنازل، بل ماذا أخذ لبنان مقابل التنازل؟ وهل كان ممكناً الحصول على أكثر؟ أوراق القوة الحقيقية ليست عسكرية أو ردعاً أو أرضاً محتلة، بل هي دولة تقول نعم فتلتزم، وتقول لا فيحترم قرارها، وتضبط حدودها وتنفذ اتفاقاتها.
أما رياض الأسعد، فيُقر المقال بصواب حديثه عن إهمال الدولة للجنوب ومعاناة أهله، لكنه يشدد على أن السرد لا يمكن أن يبدأ من النتيجة ويتجاوز السبب. فهل يعالج إهمال الدولة بأن يصبح قرار الحرب بيد حزب؟ وهل نحمي الجنوب بتحويله إلى ساحة لإسناد غزة ثم إيران؟ أهل الجنوب ليسوا وقوداً، ولا يجوز أن يدفعوا ثمن قرارات لم تتخذها مؤسسات دولتهم. وصف ما جرى بـ«المقاومة الأهلية» لا يجب أن يحجب انتقال المقاومة من وسيلة لتحرير أرض لبنانية إلى جزء من منظومة إقليمية تتقدم فيها حسابات إيران على المصلحة اللبنانية.
تشبيه الاتفاق الإطاري باتفاق القاهرة يحمل مفارقة، فاتفاق القاهرة كرس وجود قوة مسلحة خارج سلطة الدولة. الدرس المستفاد هو أن لبنان يدفع الثمن كلما سمح لجهة مسلحة بامتلاك قرار عسكري مستقل. المشكلة واحدة: ازدواجية القرار والسيادة. والمسار الحالي، إذا سعى لإعادة قرار الحرب والسلم وحصرية السلاح إلى الدولة، فهو يسير في الاتجاه المعاكس لاتفاق القاهرة.
في الختام، لا يمكن تحميل رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة مسؤولية فتح جبهة غزة أو إدخال لبنان في حرب إيران. فهما يتعاملان مع نتائج قرارات اتخذها آخرون، ويحاولان وقف الدمار. الواقعية ليست خيانة، والتفاوض ليس استسلاماً، والتسوية ليست دائماً عدالة كاملة. أحياناً تكون التسوية الفاصل بين بلد جريح وبلد لا يبقى منه شيء. إذا أردنا لبنان سيداً، مستقراً ومزدهراً، فلا حزب يقرر الحرب، ولا محور يقرر مصير لبنان، ولا سلاح فوق سلاح الدولة، ولا ولاء يتقدم على المصلحة اللبنانية. عندها فقط يصبح لدينا وطن قادر على التفاوض من موقع قوة، أما قبل ذلك، فكل حديث عن «أوراق القوة» يبقى ناقصاً ما دامت أهم ورقة قوة قد سُلبت منا: قرار الدولة نفسها.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة