لبنان
سياسة

الاتفاق السوري-الكردي: بداية لمشروع جديد في الشرق الأوسط يتجاوز الانقسام

النهار١٨ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٢:٥٨ ص0 مشاهدة
الاتفاق السوري-الكردي: بداية لمشروع جديد في الشرق الأوسط يتجاوز الانقسام

تنويه

هذا الخبر بعنوان "سوريا بداية المشروع الجديد في الشرق الأوسط" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٨ أيلول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

قد يتجاوز الاتفاق السوري-الكردي كونه مجرد اتفاق بين طرفين، فإذا نجح وتحول إلى ثقافة حكم، فقد يمثل بداية للخروج من تجربة عربية طويلة سعت إلى فرض الوحدة بالقوة، لكنها أدت إلى الانقسام. كثر الحديث حول الاتفاق بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية "قسد"، وأُشيد بالكثير حول الدور الذي لعبه كل من أحمد الشرع ومظلوم عبدي، وهما إشادة يستحقانها. بغض النظر عن الظروف المحيطة بالاتفاق التي ربما ساهمت في التوصل إليه، فإن النتيجة المهمة هي إتمامه وتجاوز عقبة طالما بدت مستعصية بالحل عبر العقل والتفاوض.

تتجاوز أهمية ما حدث في سوريا المسألة السورية بحد ذاتها. فقد كسر هذا الاتفاق حلقة عانت منها مجتمعات عربية كثيرة، ودفع بعضها ثمناً باهظاً من استقراره، وهي العجز عن الاعتراف بالتعددية داخل الوطن الواحد. غالبية المجتمعات العربية ليست كتلة بشرية متجانسة كما صورتها بعض الشعارات، بل هي فسيفساء من التعدد العرقي، والمذهبي، والديني، والمناطقي، والثقافي. هذه حقيقة اجتماعية وتاريخية لا يمكن لقرار سياسي أن يصنعها أو يلغيها. المشكلة تكمن في أن السلطات العربية في العقود الماضية تصرفت وكأن الاعتراف بهذه الحقيقة يشكل خطراً على الدولة، فحاولت إخفاءها أو دمج مكوناتها قسراً في هوية واحدة، معتقدة أن الدولة تزداد قوة كلما ازداد تشابه مواطنيها. إنكار الاختلاف لم يلغه، بل دفعه إلى تحت السطح، ليعود في ظروف الأزمات أكثر حدة وخطورة على الوطن.

يقدم العراق مثالاً صارخاً؛ ففي زمن البعث، طغت فكرة العروبة على الهوية، بينما كان جزء أصيل من سكانه من الأكراد، لهم لغتهم وثقافتهم وشعورهم بهويتهم. وعندما لم يجد هذا المكون مكانه الطبيعي داخل الدولة، أصبح الباب مفتوحاً أمام الخارج. استغل شاه إيران القضية الكردية في صراعه مع بغداد، واستخدمها ورقة ضغط، ثم تخلى عنها عندما تغيرت المصالح. لم تكن المشكلة في وجود الأكراد، بل في عجز الدولة عن بناء صيغة تجعل الكردي يشعر أن الدولة دولته، كما هي دولة العربي. ومن هنا توالت الأزمات والحروب والمواجهات، ودفع العراق كله ثمناً فادحاً.

ويقدم لبنان نموذجاً آخر؛ حيث شعرت فئة من الشيعة، منذ عقود، بأنها مهمشة ومحرومة من نصيب عادل في الدولة والتنمية. ظهرت حركة الإمام موسى الصدر تعبيراً عن هذا الشعور، ثم تطورت الظروف الداخلية والإقليمية، ومع الثورة الإيرانية، وجد جزء من هذا المكون سنداً خارج الحدود، وانتهى الأمر، بعد سنوات، إلى ارتباط سياسي وعسكري بإيران تجاوز في مراحله حسابات المصلحة اللبنانية نفسها.

وفي السودان، كان الفشل في إدارة التنوع أكثر وضوحاً وقسوة. بلد واسع ومتعدد العرق والدين والثقافة، حاولت سلطاته المتعاقبة إدارته من مركز واحد وبمفهوم ضيق للهوية. كانت النتيجة حروباً طويلة، ثم انفصال الجنوب، ولم يتوقف النزيف بعد الانفصال، لأن المشكلة الأصلية لم تعالج.

هذه التجارب تؤكد حقيقة بسيطة، لكنها تأخرت كثيراً في العقل السياسي العربي: التعددية ليست هي التي تهدم الأوطان، بل إنكارها هو الذي يفعل ذلك. ومن هنا تبرز أهمية ما حدث في سوريا. لا ينبغي النظر إلى الاتفاق بين الدولة والمكون الكردي باعتباره مجرد ترتيب أمني، أو استجابة لضغط دولي مؤقت. الأهم أنه يفتح الباب أمام مفهوم مختلف للدولة السورية: دولة لا تطلب من مواطنيها التخلي عن خصوصيتهم حتى تثق بهم. وإذا ساد هذا العقل، فإن المسألة لا تتوقف عند الأكراد. في بلاد الشام مكونات دينية ومذهبية وعرقية مختلفة، ولا يمكن بناء الاستقرار الدائم بإخافة هذه المكونات أو مطالبتها بالذوبان. المطلوب أن تشعر جميعها بأن الدولة مظلتها، وأن القانون الناتج عن أكبر توافق وطني يحميها، وأن المواطنة هي الرابط الذي يجمعها بالآخرين.

لدينا في منطقتنا درس تكرر حتى أصبح من الصعب تجاهله: عندما تغلق الدولة بابها أمام أحد مكوناتها، يبحث ذلك المكون، عاجلاً أو آجلاً، عن باب آخر. هنا يأتي الخارج حاملاً المال أو السلاح أو الحماية، ليس حباً بذلك المكون، بل خدمة لمصالحه هو. الاعتراف بالتعددية، لذلك، ليس منّة من الأكثرية على الأقلية، ولا ضعفاً من الدولة، ولا تنازلاً عن هويتها. هو في جوهره حماية للدولة الوطنية من شرّين عرفناهما جيداً: شرّ الحرب الأهلية، وشرّ التدخل الخارجي.

الحكمة هنا لا تُطلب من الدولة وحدها، رغم أن مسؤوليتها هي الأساس. الطرف الآخر في المعادلة، أي المكونات الأخرى، يحتاج هو أيضاً إلى نخب تدرك حدود الممكن، وتعرف الفرق بين المطالبة بحقوق مشروعة وبين تحويل الخصوصية إلى مشروع انفصال، أو إلى جسر تعبر منه قوة خارجية. التجارب من حولنا تقول إن الخارج قد يعد بالحماية، لكنه لا يقدمها مجاناً، وقد يستخدم مظلومية جماعة لسنوات، ثم يتخلى عنها عند أول تبدل في المصالح. هنا تحديداً تظهر أهمية النخبة العاقلة داخل أي مكون. أن تقنع جمهورها بأن التوافق الوطني، مهما احتاج إلى جهد، أقل تكلفة بكثير من التعنت، وأقل خطراً من الارتماء في مشروع خارجي. فالدولة مطالبة بأن تتسع للجميع، والمكونات مطالبة في المقابل بأن ترى مستقبلها داخل الدولة لا خارجها. تلك معادلة لا ينجح طرف واحد في فرضها. لهذا قد يصبح الاتفاق السوري-الكردي أكبر من اتفاق بين طرفين؛ إذا نجح وتحول إلى ثقافة حكم، فقد يكون بداية خروج من تجربة عربية طويلة حاولت صنع الوحدة بالقسر، فحصدت الانقسام. الأوطان تنجو فقط عندما تتسع الدولة لاختلاف أبنائها، ويختار أبناؤها الدولة وطناً نهائياً لهم.

شارك الخبر: