لبنان
سياسة

هزيمة تلال علي الطاهر: نهاية حقبة أم بداية نكبة جديدة لشيعة لبنان؟

النهار١٨ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٢:٥٢ ص0 مشاهدة
هزيمة تلال علي الطاهر: نهاية حقبة أم بداية نكبة جديدة لشيعة لبنان؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "هزيمة تلال علي الطاهر: هل ستكون "آخر مآثر" نكبة شيعة لبنان بوصفهم ورقة إيرانية في لعبة الأمم؟" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٨ أيلول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تثير هزيمة تلال علي الطاهر تساؤلات حول ما إذا كانت تمثل "آخر مآثر" نكبة شيعة لبنان، وتحولهم إلى ورقة إيرانية في لعبة الأمم. فبينما اقتلعت النكبة الفلسطينية الأولى شعباً من وطنه، فإن النكبة الشيعية اللبنانية الجديدة لا تزال في طور التشكل، محذرة من أن الدمار والنزوح وفقدان شروط الحياة قد يعيدان تشكيل مجتمع بأكمله. لم تكن هذه النكبة مجرد نتيجة عسكرية للقصف الإسرائيلي على تلال علي الطاهر، بل لحظة تاريخية قلبت معنى القوة والحماية والتمثيل السياسي داخل المجتمع الشيعي اللبناني. فبعد عقود من تراكم قوة "حزب الله" العسكرية والتنظيمية والاجتماعية والمالية، وجد المجتمع الذي قيل إن السلاح وُجد لحمايته نفسه أمام واقع مرير: أكثر من مليون نازح، مئات آلاف الجنوبيين خارج قراهم، قرى ومساكن مدمرة، أراضٍ زراعية محروقة، وبنية تحتية وخدمات أساسية متضررة. المفارقة أن المجتمع الذي تحمل الكلفة الاجتماعية الأثقل لمشروع «المقاومة» أصبح هو نفسه يدفع ثمن التحول الإقليمي الذي أسقط شروط استمرار ذلك المشروع. فالمسألة لم تعد مقدار ما خسره الجنوب من حجر وأرض، بل ما إذا كان قادراً على إعادة إنتاج نفسه اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً في المكان الذي صنع هويته الحديثة.

1. من تعددية شيعية إلى أحادية تنظيمية:

قبل صعود "حزب الله"، كان الاجتماع الشيعي اللبناني يتسم بتعددية في خلافاته، حيث تنافست داخله قوى اليمين واليسار والعائلات والتيارات السياسية، مع وجود تنافس مناطقي بين شيعة الجنوب وشيعة البقاع. كانت هذه الصراعات تدور حول السياسة والتمثيل والنفوذ والمصالح المحلية، ولم تكن الطائفة كتلة سياسية واحدة ذات مرجعية عسكرية واحدة. أحدث "حزب الله" تحولاً بنيوياً، حيث دخل الحياة السياسية الشيعية بعقيدة ولاية الفقيه وتنظيم عسكري شديد الانضباط، وبنى بدعم إيراني شبكة واسعة من المؤسسات التعليمية والصحية والاجتماعية والاقتصادية. ومع تراكم القوة، تحولت هذه الشبكة إلى قدرة على التأثير في القرار الوطني ومصادرته في مجالات استراتيجية، مما قيد قدرة مؤسسات الدولة على اتخاذ قرار مستقل في القضايا التي تمس استراتيجية الحزب.

2. حينما تحولت الهوية إلى أداة جيوسياسية:

لم تكن هذه البنية منفصلة عن المشروع الإيراني في المشرق، الذي بنى شبكة من القوى المسلحة ذات التعبئة المذهبية. وكان "حزب الله" اللبناني الحلقة الأهم في الطرف الغربي من هذا الامتداد، حيث أعلن حسن نصر الله نفسه "جندياً" في جيش ولاية الفقيه، مؤكداً أن تمويل الحزب وسلاحه يأتيان من الجمهورية الإسلامية في إيران. المسألة ليست في المذهب الشيعي، بل في تحويل الانتماء المذهبي إلى قاعدة للتعبئة والتنظيم العسكري والسياسي وبناء قوى مسلحة عابرة للحدود تخدم مشروعاً إقليمياً. وكان «الهلال الشيعي» تعبيراً سياسياً عن مجال نفوذ إيراني متصل من طهران عبر بغداد ودمشق إلى بيروت.

3. الانقلاب الذي قلب المعادلة:

كان الانقلاب الدراماتيكي في سوريا نقطة انكسار في هذه الجغرافيا، حيث تحولت سوريا من حلقة وصل إلى ساحة انكشاف للمشروع الإيراني وهزيمته. وهكذا لم يعد الأمر مجرد تراجع في النفوذ، بل ضربة مباشرة للبنية التي قام عليها الامتداد الإيراني. ومع انتقال المواجهة إلى إيران و"حزب الله"، انكشف اختلال ميزان القوى وتبددت أوهام «فائض القوة». وفقد الحزب بذلك جزءاً أساسياً من العمق الاستراتيجي الذي استند إليه في بناء قوته داخل لبنان، فيما أصبح ما كان يُقدَّم باعتباره حماية إقليمية مصدراً لتعريض البيئة الاجتماعية نفسها لمخاطر الحرب.

4. تلال علي الطاهر: عندما ينقلب فائض القوة إلى انكشاف:

في هذا السياق، تكتسب تلال علي الطاهر أهمية تتجاوز قيمتها العسكرية. فالموقع يشرف على مناطق واسعة من جنوب لبنان، وأصبح من أكثر نقاط المواجهة حساسية بين إسرائيل و"حزب الله". إذا أصبحت المنطقة التي يفترض أن تشكل جزءاً من منظومة الدفاع المتقدمة للحزب ساحة يستطيع الجيش الإسرائيلي فرض واقع ميداني فيها، فإن السؤال يتجاوز خسارة موقع إلى اختبار صورة القوة ذاتها. فقد ظل خطاب الحزب يربط وجود السلاح بفكرة حماية الجنوب. أما حينما يصبح الجنوب نفسه مسرحاً لتغيير الوقائع العسكرية والأمنية، فإن الفارق بين صورة القوة وفاعليتها الفعلية يصبح أكثر وضوحاً وانكشافاً. لا تكمن دلالة علي الطاهر في كونها خسارة موقع فحسب، بل في أنها قد تكون علامة على سقوط مفهوم سياسي كامل: أن امتلاك السلاح خارج الدولة يمنح المجتمع حصانة دائمة من نتائج الصراع الإقليمي.

5. النكبة ليست تدمير البيوت فقط:

هنا تتجلى النكبة بمعناها الأوسع. فالقرية ليست مجموعة منازل يمكن إعادة بنائها، بل شبكة من العلاقات والمؤسسات والأعمال والذاكرة والأرض. ولذلك تبدأ النكبة عندما تصبح إعادة إنتاج المجتمع في جغرافيته الأصلية موضع شك. كما أن إعادة إعمار الحجر لا تكفي إذا فقد المجتمع شروط العودة والاستقرار. فالأسرة والعمل والمدرسة والأرض والخدمات وشبكات التضامن المحلية هي التي تعيد إنتاج المجتمع، وإذا انقطعت هذه السلسلة فقد تتحول العودة إلى إقامة موقتة ويصبح النزوح مساراً اجتماعياً دائماً.

6. من خسارة رأس المال إلى شبح الشتات:

كان المجتمع الجنوبي قد راكم، عبر عقود الهجرة، رأسمالاً مالياً واجتماعياً مهماً. ثم جاءت الأزمة المالية اللبنانية لتبتلع جزءاً كبيراً من المدخرات والودائع. وجاءت الحرب لتضرب طبقة أخرى من رأس المال: المنزل والأرض والمزرعة والمتجر والبنية المحلية. أما رأس المال الأخطر فهو الإنسان نفسه. فإذا طال النزوح وتعذرت العودة، فإن الشباب وأصحاب الاختصاص والقدرات الاقتصادية سيكونون الأكثر قابلية للهجرة. وهنا يظهر خطر تشكل «شتات شيعي داخلي وخارجي»: نزوح إلى مناطق لبنانية أخرى وهجرة إلى الخارج، وما يرافق ذلك من إعادة توزيع للسكان والموارد والقدرات. وعندها لا تكون الخسارة ديموغرافية فقط، بل لرأس المال البشري الضروري لإعادة بناء المجتمع.

7. ماذا يبقى من حزب الله بلا السلاح؟

فقد كان حضوره السياسي والاجتماعي الوازن في المعادلة اللبنانية قائماً على تزاوج التمثيل الانتخابي مع ثقل السلاح. لذلك فإن حصر السلاح بالقوى الشرعية اللبنانية سيغير المعادلة من أساسها. ولن يعني اختفاء الحزب أو انتهاء حضوره السياسي، لكنه سيفقد الرافعة التي جعلت وزنه مختلفاً عن وزن أي حزب آخر. وهنا قد يبدأ تحول أعمق داخل الاجتماع الشيعي. فحينما يصبح السلاح خارج المنافسة السياسية، تستعيد العائلات والنخب والتيارات والمرجعيات المختلفة فرصة الظهور والمنافسة، ويعود الشيعي اللبناني إلى تعدده التاريخي. ومن هذه الزاوية، فإن نزع السلاح لا يمثل فقط استعادة الدولة لاحتكار القوة، بل استعادة الشيعة لتعددهم السياسي.

8. «إيران أولاً» والمأزق الشيعي اللبناني:

هناك عامل آخر حاسم: قدرة إيران على تمويل منظومة نفوذها الإقليمية. فإذا خرجت من المواجهة الراهنة بدمار أصاب قدراتها العسكرية والاقتصادية والاستراتيجية، فإن إعادة بناء الداخل الإيراني ستفرض نفسها على القرار في طهران. عندها قد يتقدم شعار «إيران أولاً» على الإنفاق الخارجي. فإعادة بناء القدرات العسكرية والصناعية والاقتصاد الوطني ستحتاج إلى موارد ضخمة، وستضع تمويل الحلفاء والشبكات الخارجية أمام قرار تقشف مالي غير مسبوق. وهنا تتضح المفارقة التي تختصر جوهر المأزق: عندما تُستخدم بيئة اجتماعية لبنانية بوصفها ورقة في استراتيجية إقليمية، فإنها تتحمل كلفة الصراع حين تتقدم أولويات تلك الاستراتيجية، بينما يبقى القرار النهائي مرتبطاً بحسابات الدولة التي تدير هذه الورقة. وعند اجتماع فقدان فائض القوة العسكرية وتراجع الموارد الخارجية، يتحول تحدي الحزب إلى مأزق شيعي لبناني ويدخل حينها مرحلة اختبار حقيقية: إعادة إنتاج نفسه قوة سياسية واجتماعية من داخل الدولة والمجتمع، لا تنظيماً يمتلك قوة مستقلة عنهما ولا كامتداد لمحور خارجي.

9. النكبة: آخر المآثر أم بداياتها؟

من هنا، فإن هزيمة تلال علي الطاهر ليست مجرد حادثة عسكرية تضاف إلى سجل الحرب، بل لحظة لقياس التحول: من فائض قوة إلى انكشاف، ومن قدرة على فرض القرار إلى إعادة تعريف الدور، ومن مشروع إقليمي عابر للحدود إلى سؤال الدولة اللبنانية وحدود سيادتها. وقد تكون تلال علي الطاهر إحدى آخر «مآثر» النكبة، بالمعنى التهكمي الذي يستعيد لغة «الانتصارات» التي رافقت خطاب الحزب، إذا أدى انكشاف القوة إلى فتح طريق العودة والإعمار واستعادة الدولة للجنوب والسلاح غير الشرعي. لكنها قد تكون بداياتها إذا استمر النزوح وتعذر إعادة بناء شروط الحياة وتواصلت الهجرة وتحول الشتات إلى بنية اجتماعية دائمة. وهنا يتغير السؤال من «كيف نحمي المجتمع بالسلاح؟» إلى «كيف نحمي المجتمع بالدولة؟».

الاستنتاج:

تبدو أمام الاجتماع الشيعي ثلاثة مسارات: إعادة إعمار وعودة تسمحان باستعادة الحياة في الجنوب، شرط تسليم "حزب الله" سلاحه للجيش اللبناني. أو استمرار الوضع الاستثنائي بما يوسع دائرة الاستنزاف الشيعي والنزوح والشتات. أو تحويل النكبة إلى لحظة مراجعة تاريخية تعيد الاعتبار إلى التعددية السياسية والاجتماعية داخل البيئة الشيعية. فإذا انتهت مرحلة السلاح خارج الدولة وتقلصت القدرة على تمويل الأحادية من الخارج، سيتسع المجال أمام مرجعيات ونخب وقوى متعددة. ولن يكون ذلك تراجعاً للشيعة في لبنان، بل استعادة لحقهم في أن يكونوا مجتمعاً متعدداً لا كتلة سياسية واحدة، وأن يكون تمثيلهم نابعاً من السياسة والمجتمع لا من فائض القوة. إن النكبة الفلسطينية الأولى اقتلعت شعباً من وطنه. أما النكبة الشيعية اللبنانية الجديدة فلا تزال في طور التشكل. وهنا تتحدد النتيجة: هل تكون هزيمة علي الطاهر آخر مآثر النكبة، بما تفتح من طريق لمراجعة علاقة السلاح بالدولة، أم بداية مرحلة أطول من الاستنزاف والنزوح والشتات وإعادة تشكيل جغرافية الاجتماع الشيعي ودوره في لبنان؟

شارك الخبر: