لبنان
سياسة

أوروبا في مواجهة إيران: استراتيجيات الحماية والمصالح في ظل التحديات الإقليمية

النهار١٨ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٢:٥٠ ص0 مشاهدة
أوروبا في مواجهة إيران: استراتيجيات الحماية والمصالح في ظل التحديات الإقليمية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "محددات السياسة الأوروبية حيال إيران" نشر أولاً على موقع النهار وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٨ أيلول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تواجه أوروبا تحديًا معقدًا في سياستها تجاه إيران، حيث تحتاج إلى استراتيجية تتجاوز مجرد ردود الفعل وتعتمد على قوتها الاقتصادية والدبلوماسية للضغط على طهران، مع الحفاظ على قدرة ردع تحمي مصالحها.

تكشف التوترات الحالية عن مأزق أوروبي يتجاوز المواقف الدبلوماسية المعلنة، ويضع العواصم الأوروبية أمام سؤال جوهري: كيف تحمي أوروبا أمنها ومصالحها دون الانجرار إلى حرب لا تريدها، وكيف تحافظ في الوقت نفسه على نفوذها في أزمة تتحكم الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل في مساراتها الأساسية؟

تدرك أوروبا أن أي مواجهة واسعة مع إيران لن تقتصر على منطقة الشرق الأوسط. يمثل البرنامج النووي الإيراني والصواريخ الباليستية أحد أبرز مصادر القلق الأوروبي، إلى جانب احتمال انتقال تداعيات الحرب إلى الملاحة والطاقة والأمن الداخلي. وتخشى الأجهزة الأوروبية كذلك من تصاعد التطرف والتهديدات الإرهابية، خصوصًا مع اتساع التوتر الإقليمي وتنامي الاستقطاب داخل المجتمعات الأوروبية.

في المقابل، تواجه أوروبا مشكلة عملية تتمثل في محدودية قدراتها العسكرية. تحتاج القارة إلى تعزيز منظومات الدفاع الجوي وحماية البنية التحتية والممرات البحرية، بينما تستنزف الحرب في أوكرانيا جزءًا مهمًا من الموارد والقدرات الأوروبية. هذا الواقع يجعل أي مواجهة مباشرة مع إيران خيارًا مكلفًا وغير مضمون النتائج.

تضغط واشنطن على حلفائها الأوروبيين للانخراط بصورة أكبر في مواجهة إيران، خصوصًا في حماية الملاحة عبر مضيق هرمز. وتظهر المواقف الأوروبية تحفظًا واضحًا عن هذا الطلب، لأن العواصم الأوروبية لا تريد أن تتحول إلى طرف مباشر في حرب لم تبدأها، كما لا تريد تحمل تكلفة استراتيجية جديدة بعد سنوات من تداعيات الحرب الروسية على أوكرانيا.

تستغل إيران نقاط الضعف الأوروبية كورقة ضغط، وتمثل الطاقة والملاحة أبرز هذه الأوراق، لأن أي اضطراب في الخليج ينعكس مباشرة على الأسواق الأوروبية والأسعار وسلاسل الإمداد. تستطيع طهران، من خلال التهديد بإغلاق حركة الملاحة أو تعطيلها، التأثير في الحسابات الأوروبية حتى دون استهداف الأراضي الأوروبية مباشرة.

يمثل الملف النووي ورقة إيرانية أخرى، وتستطيع طهران توظيف المفاوضات لإحداث تباين بين واشنطن والعواصم الأوروبية، مستفيدة من رغبة أوروبا في تجنب الحرب والعودة إلى المسار الدبلوماسي. تملك إيران كذلك نفوذًا إقليميًا يمكن أن يهدد المصالح الأوروبية بصورة غير مباشرة، خصوصًا عبر الجماعات المسلحة وشبكاتها في المنطقة.

تواجه أوروبا مشكلة ثقة عميقة مع إيران، وتننظر العواصم الأوروبية بقلق إلى البرنامج النووي والصاروخي الإيراني، ودعم طهران لحلفائها المسلحين، وعلاقاتها المتنامية مع روسيا. في المقابل، تنظر إيران إلى أوروبا باعتبارها طرفًا أقل تأثيرًا من الولايات المتحدة، ما يحد من قدرتها على فرض شروطها أو تقديم ضمانات مستقلة.

تبدو الخيارات الأوروبية محدودة بين ثلاثة مسارات: انفراج دبلوماسي مشروط، أو استمرار العقوبات والجمود، أو الانضمام إلى سياسة الضغط الأقصى. يبدو المسار الثالث الأكثر خطورة، لأن زيادة الضغط دون مسار سياسي واضح قد تدفع إيران إلى مزيد من التصعيد، وتعميق علاقاتها مع روسيا والصين، وتوسيع أزمة الطاقة والأمن.

تحتاج أوروبا إلى استراتيجية تتجاوز ردود الفعل، وتستطيع العواصم الأوروبية استخدام قوتها الاقتصادية والدبلوماسية للضغط على طهران، مع الحفاظ على قدرة ردع تحمي مصالحها. لا تستطيع أوروبا الدخول في حرب شاملة، لكنها لا تستطيع أيضًا الوقوف متفرجة أمام تهديد يطاول أمنها ومصالحها.

تفرض الأزمة على أوروبا إعادة تعريف علاقتها بإيران والولايات المتحدة معًا. تبقى الدبلوماسية المدعومة بالقوة، لا الدبلوماسية المنفصلة عنها، الطريق الأكثر واقعية أمام أوروبا. المطلوب ليس اختيار الحرب أو الاستسلام، بل بناء سياسة أوروبية قادرة على منع التصعيد، وحماية المصالح، والتفاوض من موقع قوة.

شارك الخبر: