لبنان
ثقافة

المهيب: ترامب، إيران، والذكاء الاصطناعي.. وغزة كصدع في سردية الغرب الأخلاقية

المدن٢٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠١:١٠ ص0 مشاهدة
المهيب: ترامب، إيران، والذكاء الاصطناعي.. وغزة كصدع في سردية الغرب الأخلاقية

تنويه

هذا الخبر بعنوان ""المهيبون" ترامب وإيران والذكاء الاصطناعي..وغزة مازالت صدعاً" نشر أولاً على موقع المدن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ آب ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في لحظات استثنائية، يتجاوز العالم قدرتنا على السرد، ليس لجهلنا بما يحدث، بل ربما لمعرفتنا المفرطة. تتوالى الأحداث: تصريحات، تهديدات، صفقات، حروب، هدن، صواريخ، نماذج جديدة للذكاء الاصطناعي، وعود بالمريخ، ووعود بإنهاء الحروب أو استعادة الأمم. رغم وضوح كل شيء أمام أعيننا، إلا أن رؤية المزيد تجعلنا أقل قدرة على استيعاب الصورة الكلية. نعرف التفاصيل، لكن الصورة الكبرى تعاند التجمع. قد يمنح مفهوم "المهيب" (the sublime)، كما طرحه جان فرانسوا ليوتار في قراءته لكانط، اسماً فلسفياً لهذه الحيرة. ترجم المصطلح إلى "الجليل" أو "المتسامي"، لكن "المهيب" يبدو الأنسب هنا، مع التحفظ على أن مفهوم كانط الأصلي يرتبط بمواجهة اللامتناهي في الطبيعة أو الأخلاق، وليس بفوضى السياسة والإعلام. بتوسيع المفهوم ليشمل اضطراب الحاضر التاريخي، نستبقي منه مزيج الانجذاب والرهبة، حيث يقترب الفكر من شيء يكتشف عجزه عن إدراكه. المهيب بهذا المعنى ليس صفة في الشيء، بل هو تجربة تحدث لنا: الفكر يسعى للصورة الكلية بينما تعجز المخيلة عن استيعابها. العجز ليس في الرؤية، بل في الإحاطة. المهيب ليس ما لا يمكن التفكير فيه، بل ما يمكن التفكير فيه بينما تعجز المخيلة عن جمعه. نحن لا نقف خارج عصرنا لنراه، بل في داخله، نعيش الجملة وهي تُكتب، لا نملك الصفحة الأخيرة. هنا يبدأ "المهيب السياسي": ليس لأن الزعماء أو الدول أو الصواريخ مهيبة بذاتها، بل لأن توالي الأحداث يدفع المخيلة لمحاولة جمعها في كلٍّ لا تستطيع امتلاكه. وبين قدرتنا على الرؤية وعجزنا عن الإحاطة، ينفتح فراغ تستغله السياسة. في لحظة "لا أعرف ما يعنيه هذا"، يظهر من يقول "أنا أعرف". ربما لا يأتي المخلّص لإنقاذنا من الفوضى، بل من الحيرة.

تعبأ الجمهورية الإسلامية في إيران هذا الفراغ بسردية ثيوقراطية قديمة، تتراكم فيها المظلومية والشهادة وكربلاء والانتظار، فيتداخل المقدس بالسياسي. الواقعة لا تبقى مجرد حدث آني، بل تجد مكانها في قصة أقدم، حيث يتحول الألم إلى تضحية، والهزيمة إلى امتحان لم ينتهِ. قوة هذه السردية الكبرى تكمن في إيحائها بأنها كانت تعرف معنى ما سيقع قبل وقوعه.

يأتي ترامب من زمن آخر، حيث الماضي ليس مقدساً بل مفقوداً. كانت هناك عظمة، ثم انحطاط، والآن يمكن استعادة ما ضاع على يد رجل استثنائي. الحرب تُنهى، والاقتصاد يُصلح، ولكل استعصاء صفقة. الصفقة هنا تتجاوز معناها السياسي لتصبح رؤية للعالم: كل شيء يمكن أن يصبح عظيماً من جديد.

غزة مختلفة، فهي ليست مثالاً ثالثاً بنفس المنطق. إيران وترامب يقدمان سرديتين تمنحان الحاضر معنى جاهزاً من زمن آخر. أما غزة، فهي ليست سردية تملأ فراغاً، بل صدع يظهر داخل سردية الغرب عن نفسه. من أنقاض الحرب العالمية الثانية، خرج الغرب بلغة كونية: حقوق الإنسان، القانون الدولي، حرمة الإبادة، "لن يتكرر أبداً". هذه لم تكن مجرد قواعد قانونية، بل جزء من الصورة الأخلاقية التي صنعها الغرب عن نفسه. ثم جاءت غزة. أمام الإبادة التي ارتكبتها إسرائيل، وما صاحبها من قتل وتدمير وتجويع وتهجير، لم يعد التناقض بين القول والفعل مجرد تفصيل. دول غربية كبرى واصلت دعمها وتسليحها لإسرائيل، بينما بقيت لغة القانون وحقوق الإنسان حاضرة في الخطاب نفسه. الكلمات لم تختفِ، لكنها فقدت قدرتها على حمل ما يحدث. "حقوق الإنسان" ما زالت موجودة، لكن الإنسان الذي يُقتل يسأل عن موقعه داخلها. وعبارة "لن يتكرر أبداً"، التي خرجت من قلب الكارثة الأوروبية، وجدت أمامها سؤالاً كان مختبئاً فيها: لن يتكرر لمَن؟

قد لا تكون العدالة أو القانون قيماً زائفة، لكن ما انهار هو سلّم القيم الغربي كسردية عن الذات. القيمة لا تبطل بخيانة من يتحدث باسمها، لكن ادعاء الكونية يصاب بشرخ حين يكتشف الإنسان أن الكوني يستطيع، عند اقترابه من حدود القوة، أن يصنع لنفسه استثناء. هنا يظهر وجه آخر للمهيب: ليس المخيلة وحدها التي تتعثر، بل اللغة التي كانت تمنح المعاني أيضاً. وفي الجهة الأخرى من الزمن، تقف الخلاصية التقنية، التي تستمد معناها لا من ماضٍ، بل من مستقبل موعود: الذكاء الاصطناعي سيضاعف المعرفة، والأتمتة ستقربنا من الوفرة، والتكنولوجيا الحيوية ستقاوم الشيخوخة. المسألة ليست في إنكار قدرة التكنولوجيا، بل في ما يحدث حين تصبح قصة عن مصير الإنسان نفسه. عندها يكتسب اضطراب الحاضر معناه من مستقبل لم يصل بعد؛ وما ينكسر الآن يصبح ثمناً للعبور.

إيران وترامب والخلاصية التقنية... سرديات تمنح الحاضر معنى من زمن آخر. غزة مختلفة: فيها يصطدم حاضرٌ بسردية أخلاقية بناها الغرب من ذاكرته، فيكون الحاضر أثقل من اللغة التي أُعدت لاحتوائه. ليس لدينا الماضي الذي تتحدث السردية باسمه، ولا المستقبل الذي تعدنا به. لدينا هذا الحاضر، مزدحماً بالأحداث، وهذه المخيلة التي تحاول جمعها. هنا يعود المهيب عند ليوتار، لكن بصورة مقلوبة: المهيب يكشف أن الكل يفلت من قدرتنا على الإحاطة. أما السردية الكبرى، فتظهر لتقول إن الكل قد أُحيط به بالفعل، مانحةً راحة من العجز عن الجمع. تأخذ الوقائع المبعثرة وتردها إلى حبكة، فيصبح لكل موت معنى، ولكل خسارة موقع. خطورة السردية الكبرى تبدأ حين تقول الحقيقة الجزئية: أنا الكل. عندها لا تختفي الأشياء التي لا تناسب القصة، بل تتغير أسماؤها: الألم يصبح تضحية، والقتل دفاعاً، والقسوة ثمناً للمستقبل.

هنا يظهر مفهوم "التنازع المستعصي" (le différend) عند ليوتار. ليس خلافاً عادياً، بل هو شيء أقسى: أن يقع الضرر، ويتكلم المتضرر، لكن اللغة التي يُفترض أن تحمله لا تمنحه مكاناً داخلها. الفلسطيني يقول: المدنيون، القانون، حقوق الإنسان، الإبادة. يستعمل الكلمات نفسها التي أعلن النظام الغربي أنها كونية. ومع ذلك تصل الكلمات ولا يصل معها صاحبها. يلتقي المهيب والتنازع المستعصي هنا: الأول يفتح الشق الذي تعجز المخيلة عن احتواء الكل؛ والثاني يسكن ذلك الشق، صوتاً لا يجد مكاناً في الصورة. لحظتنا مربكة: ليست المشكلة افتقارنا إلى القصص، بل حصارنا بها. كل شيء يريد أن يصبح قصة قبل أن تتاح له فرصة أن يكون حدثاً. العقيدة، الأمة، الزعيم، السوق، والخوارزمية تعرفه. لكن التاريخ يصل مبعثراً: واقعة، موت، اختراع، حرب، حب، صفقة، خيانة، وشخص يرفض أن يكون ما سمّته القصة.

هذه السطور نفسها ليست استثناء من هذا الخطر. محاولة قراءة إيران وترامب وغزة والخلاصية التقنية عبر إطار واحد — المهيب والسردية الكبرى — تجازف بأن تصبح هي نفسها سردية كبرى أخرى. أفضل ما يمكن أن تقوله هذه المقالة عن نفسها هو أنها حاولت تسمية العجز عن تفسير اللحظة، دون ادعاء شفائه. ربما يكون حدثاً صغيراً، أو إنساناً، أو جملة لم تجد لغتها بعد. وفي المسافة بين ما يحدث والقصة التي تسرع لاحتوائه، يبقى الشعور الذي سميناه، على نحو مؤقت، المهيب: أن نرى، وأن تستمر الأشياء في الحدوث، وأن تمتد المخيلة وراءها محاولة جمعها، ثم تكتشف في كل مرة أن شيئاً ما أفلت منها. هنا يصبح المخلّص مغرياً، لأنه يحمل نهاية للحيرة. لكننا لا نعيش غداً. نحن هنا، داخل الصورة قبل اكتمالها، ولا نملك مكاناً خارج التاريخ لنرى الكل. ربما لهذا لا ينتهي المهيب حين تفشل المخيلة في الإحاطة، بل يبدأ هناك: حين يبقى شيء خارج الصورة، ثم شيء آخر، من دون أن نملك رفاهية إشاحة النظر. فنحن لا نستطيع الإحاطة بما يحدث، ولا نستطيع ألا نراه.

شارك الخبر: